مقدمة تحليلية:
في ظل حرب مدمرة تدخل عامها الثالث بلا أفق سياسي أو إنساني، تطرح قوى مدنية سودانية بديلاً مختلفًا عبر رؤية سياسية جديدة تقترح حلاً جذريًا للصراع، وتستبعد الإسلاميين من مستقبل البلاد السياسي. تحالف “صمود”، أحد أبرز تجمّعات القوى المدنية الديمقراطية، تقدّم برؤية متكاملة تحت شعار “إنهاء الحرب، استعادة الثورة، وتأسيس الدولة”، مستهدفًا تعبيد طريق جديد نحو سودان ديمقراطي فيدرالي، لا مكان فيه للعنف أو للفلول.
محاولة لكسر الحلقة المفرغة للحرب
تحاول “صمود” نقل النقاش حول الأزمة من مربع الحرب إلى مربع السياسة. عبر “مائدة مستديرة” مدنية، تسعى إلى بناء جبهة مدنية واسعة تتوحد ضد الحرب، وتبدأ عملية حوار سوداني – سوداني شامل. وترتكز رؤيتها على ثلاث آليات:
- توحيد الجهود المدنية والسياسية لوقف الحرب.
- التفاوض المباشر مع أطراف النزاع لحثهم على الاعتراف بعدم جدوى الحل العسكري.
- تحرك دبلوماسي إقليمي ودولي لوقف الكارثة الإنسانية ودعم إعادة الإعمار.
استبعاد الإخوان… موقف مبدئي لا تكتيكي
رؤية “صمود” لا تكتفي برفض الحرب، بل تضع استبعاد حزب المؤتمر الوطني (الإخوان المسلمين) من المشهد شرطًا أساسيًا. إذ ترى فيه الجذر السياسي للنزاعات السودانية المتكررة منذ 1989، وتشدد على حظر نشاطه بالكامل، وتحويل ممتلكاته للدولة، بما يتماشى مع مطالب الثورة الشعبية.
هذا الموقف يفتح الباب لسؤال حساس:
هل يمكن لعملية سلام مستدامة أن تُبنى على إقصاء طرف سياسي فاعل في الصراع؟ أم أن طبيعة الانتهاكات والدمار الذي ارتبط به تاريخيًا تجعله خارج معادلة المرحلة الانتقالية؟
“صمود” تحسم الأمر بوضوح: لا تسوية مع من فجّر الحرب، وأفشل الانتقال الديمقراطي، وأسس الدولة العميقة.
جيش وطني بلا عقيدة أيديولوجية
رؤية التحالف تضع إصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية في صميم عملية بناء الدولة، عبر جيش قومي غير مسيّس، لا يخضع لولاء قبلي أو حزبي، وتُعاد هيكلته وفقاً لمعايير مهنية دولية، تحت إشراف سلطة مدنية. وهذه المقاربة تضع “صمود” في مواجهة مباشرة مع تركيبة الجيش والدعم السريع الحالية، وربما تفتح بابًا لمواجهة أطول حول تعريف “الجيش القومي”.
سياسة خارجية محايدة… وسودان جديد في الإقليم
تتبنّى الوثيقة سياسة خارجية متوازنة تنأى بالسودان عن المحاور الإقليمية المتصارعة، وتلتزم بمبادئ عدم التدخل، ومكافحة الإرهاب، وحسن الجوار. هذه المقاربة تأتي ردًا على حالة التدويل المتزايدة للصراع السوداني، خصوصًا بعد دخول دول مثل مصر والإمارات وإيران وروسيا على خط الدعم العسكري أو السياسي.
خاتمة: هل تملك “صمود” أدوات التغيير؟
رغم وضوح الرؤية وواقعيتها السياسية، تظل قدرة “صمود” على تحويلها إلى مشروع جامع مرهونة بتحديات كبرى:
- هل تنجح في توحيد الكتلة المدنية؟
- كيف تقنع أطراف النزاع المسلّح بالتخلي عن القوة؟
- هل يحظى المشروع بدعم شعبي حقيقي؟
- وهل يلقى قبولًا إقليميًا ودوليًا في ظل مصالح متشابكة ومعقدة؟
رؤية “صمود” قد لا توقف الحرب فورًا، لكنها تعيد تعريف المعركة السياسية، وتطرح مشروعًا بديلًا لما تسميه بـ”تحالف البندقية والإخوان”، وتفتح باباً ضرورياً لعودة السياسة كأداة للخلاص من الحرب.
السودان بحاجة إلى أكثر من وقف إطلاق نار؛ يحتاج إلى عقد جديد..
فهل تبدأ أولى خطواته من “صمود”؟

