بقلم: منعم سليمان
في قلب مشهد الخراب السوداني، حيث يختنق العقل تحت ركام السلاح، ويعلو صوت الجهل فوق أنقاض الدولة، تتردّد أصداء الأناشيد الجهادية، لا كحماسة معركة، بل كنذير انقراضٍ لوطنٍ ظل، رغم ما حلّ به من أهوال، فكرةً قابلةً للحياة. والآن، تنزف البلاد بين فكي وحشين: حركاتٌ مرتزقةٌ مسلّحةٌ اتخذت من الحرب مغنمًا ومهنة، وميليشيات وكتائب دينية متوحشة، خرجت من رحم أيديولوجيا مريضة، لا من رحم الوطن الواسع والمتعدّد، تتدثّر بعمامة الدين، وتتحزّم بفائض الدم، وأشهرها تلك التي تُسمّي نفسها البراء بن مالك.
هذه الميليشيا تحديدًا ليست ظاهرةً عابرةً في مشهد الانهيار، بل هي امتدادٌ عضويٌّ للحركة الإسلامية في صورتها الأكثر اكتمالًا وصدقًا وتوحشًا، وهي النتيجة المنطقية لفكرٍ كان ينتظر لحظة سقوط الدولة لينقضّ على ما تبقّى منها.
واسمها البراء لم يأتِ عشوائيًا، بل رمزٌ مُنتقى بعناية في سرديات السلفية الجهادية، ارتبط بما يُعرف في التاريخ بالفتوحات الإسلامية. والمفارقة أن “براء” التاريخ قد قُتل على يد “الهرمُذان”، قائد الفُرس، وبدلًا من الانتقام له، انتصارًا للتاريخ واتساقًا مع الاسم، ومع قوانين “الملكية الفكرية” الحديثة، يقفون الآن، هم والفُرس، على قتلنا (أعوان)!
قائد هذه الميليشيا شاب يُدعى المصباح أبو زيد، نحيفُ البنية والعقل معًا، تملأ أحاديثه وهرطقاته فضاء الأسافير؛ يكتب المنشور تلو الآخر، متعثّرًا في التمييز بين حرفي (ز) و(ذ)، ولا يعرف حتى موضع همزة (إن)، ومع ذلك لا يتحرّج من أن يُنصّب نفسه قائدًا وخطيبًا لجماعة تزعم أنها تبعث مجد دينٍ نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين!
وهو، إضافةً إلى ركاكة تعبيره وفقر لغته، لا يتحدث حين يتحدث بلسان جنديٍّ متطوع كما يدّعي، بل بلغةٍ أشبه بخطبة بيعة، يُستبدل فيها المجتمع بهياكل الطاعة، ويُستبدل الولاء للوطن بالولاء لـ”الفرقة الناجية”. ومنشوره أمس يحمل رسالةً مشفّرة، قال فيه: “لا ننازع أحدًا على سلطة، ومن ظنّ أن الصمت ضعف، فإن للصمت حدودًا، ونحن نعرف كيف ومتى نتكلم”… رسالة تهديد واضحة وصريحة لذلك الحالم النزق الذي ظنّ أن بوسعه مساكنة الأفاعي دون أن يُلدغ!
والأهم أن المنشور حمل إشهار نوايا في ثناياه، كما في تعليقاته المصاحبة: أن هذه الميليشيا ليست أداة مساندة ودعمٍ، بل مشروع جيشٍ موازٍ يتشكّل؛ لا يحمل السلاح دفاعًا عن السودان، بل لحراسته كغنيمة، كمرحلة انتقالية في الطريق إلى تأسيس دولة العقيدة، التي لا تعرف دستورًا أو قانونًا… دولة لا تحدّها حدود: تمتد من أم درمان إلى طهران، ومن بورتسودان إلى غزة!
هنيئاً للعسكري الأول، الجبان، الذي فتح الباب للموت الجهادي ليسكن شرايين المؤسسة العسكرية، وسلّم شارة القيادة للعسكري الثاني، الأكثر جبنًا وخسّة، فنسف ما تبقّى من فكرة الجيش الوطني، وجعل من البراء بن مالك ندًّا، ومن المصباح شريكًا، ثم انزوى بعيدًا وهو يرتعد، وهتف مرعوبًا: المجد للبندقية.