أصدرت هيئة محلفين فيدرالية بمدينة نيويورك حكمًا قضائيًا تاريخيًا يُحمّل مجموعة “بي إن بي باريبا” المصرفية الفرنسية مسؤولية جزئية عن الفظائع والانتهاكات التي ارتُكبت في السودان خلال فترة حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، وذلك بعد محاكمة استمرت عدة أسابيع في المحكمة الفيدرالية في مانهاتن.
واستند الحكم إلى شهادات ثلاثة سودانيين أصبحوا لاحقًا مواطنين أميركيين، تحدثوا عن تعذيب وحرق واعتداءات جنسية ارتكبتها القوات الحكومية وميليشيا الجنجويد في دارفور مطلع الألفية. وقالت إحدى الناجيات، انتصار عثمان كاشر (41 عامًا)، أمام المحكمة: “لم يعد لدي أقارب”، في شهادة مؤثرة نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية.
واعتبر محامي الضحايا بوبي ديتشيلو أن الحكم يمثل “انتصارًا للعدالة والمحاسبة”، مؤكدًا أن هيئة المحلفين أقرت بأن المؤسسات المالية الكبرى “لا يمكن أن تغضّ الطرف عن تبعات أفعالها”. واتهم المصرف الفرنسي بأنه سهّل تمويل النظام السوداني بمليارات الدولارات عبر رسائل ائتمان وضمانات مصرفية ساعدت نظام البشير على الاستمرار في تمويل حملات التطهير العرقي والعنف المنهجي ضد المدنيين.
من جهته، رفض بنك بي إن بي باريبا القرار، ووصفه بأنه “خاطئ ومبني على تحريف للقانون السويسري”، معلنًا عزمه الاستئناف ضد الحكم. وأكد البنك أن معاملاته في السودان كانت قانونية بموجب التشريعات الأوروبية، ولم يكن على علم بأي انتهاكات لحقوق الإنسان.
وشدد فريق الدفاع على أنه “لا توجد صلة مباشرة بين عمليات البنك والانتهاكات التي تعرض لها المدعون”، مضيفًا أن السودان كان يرتكب جرائم ضد الإنسانية “بغض النظر عن وجود دعم مالي من المصرف الفرنسي”.
ويُعد هذا الحكم سابقة قانونية يمكن أن تفتح الباب أمام دعاوى دولية مشابهة ضد مؤسسات مالية يُعتقد أنها سهّلت تمويل أنظمة ارتكبت جرائم حرب أو إبادة جماعية.
يُذكر أن النزاع في دارفور بين عامي 2002 و2008 أسفر عن مقتل أكثر من 300 ألف شخص وتشريد 2.5 مليون آخرين، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، فيما يواجه الرئيس المخلوع عمر البشير مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.

