بقلم: منعم سليمان
إذا أردنا تناول المشهد السوداني الراهن بكل صدق وصراحة، فعلينا أولاً الاعتراف بأن البلاد تنحدر إلى أحطّ مرحلة في كل تاريخها.
وفي مثل هذه اللحظات من مسار الأمم تختلّ المعايير، وتسقط القيم، وتعلو الأكاذيب حتى يعلو معها قدر اللصوص والمجرمين، ويرتفعون ارتفاعاً شاهقاً، وفي هذه اللحظات تسقط الحدود الفاصلة بين الدولة وبيت الرذيلة!
ولهذا السبب يجب على السودانيين أن يتحلّوا بقدرٍ كافٍ من الشك أمام كل ما يصدر عن سلطة بورتسودان من أقوال؛ فكل شعارٍ يُرفع أو عبارةٍ تُردَّد هناك يجب أن تُقرأ بنقيضها.
فإذا تحدّث وزير المالية عن الأمانة، فاعلم أنّ خيانةً تُحاك ضدك. وإن سمعت خطيباً يحدث الناس عن الجهاد وفضائله ويقول لهم إنّ المال مالُ الله، فاستيقن أنّه يريد سلب أموالهم، ثم الفرار بها إلى تركيا حيث تُقيم أسرته بعيداً عن الأكاذيب والخزعبلات. وإذا أكثر مسؤولٌ من حديثه عن السيادة، فتيقّن أنّه عميل يبيع أرضك لدولةٍ قريبةٍ لا تكفّ عن التوثّب عليك!
وأمّا إذا رأيت ضابطاً يرغي ويزبد عن التحرير والكرامة، فاعلم أنّه من أولئك الخصيان الذين تسربلوا بثوب الجندية في العقود الثلاثة الماضية، فأصبحت العسكرية معهم رديفاً لغياب الشرف والوطنية، ونقيضاً للرجولة، حتى في معناها الأكثر ابتذالاً!
(الإمارات تسرق ذهب السودان)؛ عبارة من أكثر العبارات خداعاً التي روّجها لصوص الذهب في أوساط عوامّ السودانيين في الفترة الأخيرة.
كنتُ أمس في مقهى بأحد مولات دبي، اعتدتُ أن أجلس فيه مع نفسي كل مساء متأمّلاً هذا التنوع العرقي والثقافي والديني الذي تحتضنه هذه الإمارة الصغيرة، وتدير في رحِمها العالم بيسرٍ مدهش.
تعرّف عليّ سوداني من على البعد، فجاء مسلّماً على عادةٍ سودانيةٍ حميدة ظلّت صامدةً رغم ما بنا من محن. جلسنا، وعرفتُ منه أنه كان يعمل في تجارة الذهب بين السودان والإمارات خمسة عشر عاماً كاملة.
قال لي إنه طوال تلك الفترة لم تصادفه مؤسّسة إماراتية واحدة، ولا إماراتيّ واحد يتعامل في ذهب السودان، موضحاً أنهم يبيعون الذهب في سوق دبي بالسعر العالمي لتجّارٍ من جنسياتٍ متعدّدة، يصهرونه ثم يعيدون تصديره.
قلت له: إذن لماذا لا تقولون هذه الحقيقة وتُعرِّفوا بها هؤلاء البسطاء المخدوعين في فيسبوك وتيك توك؟
فأجاب: أين نقولها؟ وكيف؟ هأنت تسألني وقد أجبتك.
وقد وجدتُ العذر للرجل الطيّب؛ وحقيقة هناك ثمّة ما يستدعي الخوف، والأخلاق تقتضي ألّا نلوم الخائف بل نلوم من يُخيفه.
وأردف الرجل قبل مغادرته، وفي صوته مرارةٌ وأسًى: نحن من نسرق ذهب بلادنا: “جيشنا وشرطتنا وجماركنا”. ثم سمّى دولة محددة – نعلمها والله يعلمها – مؤكداً أنها هي التي تنهب وتدمّر موارد السودان، بل بلغ بها الأمر، كما قال، أنها أصبحت تُدرب المسؤولين وخاصة العسكريين على كيفية سرقة خيرات وطنهم، لا الذهب وحده!
لا أحد يجهل أن الجيش هو أصل البلاء في تاريخ السودان الحديث، وأن أسوأ تجلّياته هو الجيش في صورة قيادته الحالية، تلك القيادة التي صاغتها جماعة دينية “مافيوزية” متخصّصة في النهب وبيع الوطن جملةً وقطاعياً.
والمفارقة أن هؤلاء العسكر اللصوص الجالسين اليوم على سُدّة قيادة الجيش يتمتّعون بجلودٍ سميكة لا تحسّ بالوخز أو التقريع، ووجوهٍ كالحة لا تعرف حمرة الخجل طريقاً إليها. فهم يتملّكهم إحساسٌ مضلِّل بالسيادة على السودان، ويجدون متعةً مَرَضية مذهلة في إذلال السودانيين أمام الأمم!
ولهذا السبب، لا غيره، أصبحت أرتاب في سلامة عقل كل من لا يزال يهتف أو يكتب حتى اليوم: “جيش واحد، شعب واحد”!
فالجيش الحالي يعمل لصالح جهات أخرى، تعمل ضد مصالح السودان، ولا ريب؛ فهو ليس السودان .. *إنه جيش الكيزان*.