بقلم: منعم سليمان
من يقود السفينة إلى وجهتها المحددة يُسمى قبطاناً، ومن يقودها إلى حيث يريد هو يُسمى قرصاناً، أما من يتولى قيادتها وهو لا يحسن إدارتها، ولا يدري إلى أين يمضي بها، فيُسمى (برهان)!
هذا المقولة ذاعت بين السودانيين بعد الحرب وصارت نكتة شعبية تحمل في طياتها نقدًا سياسيًا فَكِهًا لشخصية قائد الجيش البرهان، فهي تعكس تقلّب مواقفه وتغيّر اتجاهاته؛ فلا ثبات له على نهج، ولا استقرار له على مبدأ، ولا بوصلة سياسية أو أخلاقية تهديه: يصبح علمانياً ويمسي إسلامياً!
وهي مقولة، رغم طرافتها وتعبيرها عن شخصية الرجل وحربائيته وتقلب مزاجه كما أداؤه العام، فإني لا أتفق معها كلياً، وتحديداً فيما يتعلق بأنه لا يدري إلى أين يسير بالبلاد؛ فهو يدري، بل يعرف ذلك جيداً، وهو يمضي بسفينة السودان على المسار الذي رسمته الحركة الإسلامية، ونحو الوجهة التي اختارتها. نعم، إنه لن يصل بها وبهم – وهذا مؤكد – ولكنه يحاول.
أمس وجه البرهان خطاباً إلى السودانيين يدعوهم فيه إلى المشاركة في القتال، قائلًا: “على كل سوداني قادر على حمل السلاح التقدّم”.
لا بأس، ولكن التقدّم إلى أين؟
لماذا لا تتقدّم أنت، الذي تنوء كتفاك من ثقل النياشين والأنواط، وكأنك مونتغمري عصره وشوارتسكوف زمانه؟ هذا مع الاعتذار للقائدين العسكريين لوضعهما في مقارنة متدنية كهذه، وهما، ومهما اختلف الناس حولهما، فإنهما لم ينالا أوسمتهما مقابل قتال شعوبهما، بل نالا ما نالاه في حروب خارجية، كانت – على الجدل حولها- لمصلحة أوطانهم.
فأي حرب خارجية خاضها البرهان دفاعاً عن السودان وسيادته، واللتين يتكسّب منهما اليوم منصباً وذهباً، فيما تُحتل مناطق البلاد براً وبحراً، شمالاً وشرقاً، سوى حروب الجهاد في جنوب السودان، وحروب الإبادة القديمة المتجددة في دارفور!
والمفارقة أن هذا المستجدي الوقح، الذي يستجدي السودانيين اليوم ليحاربوا معه في حرب جماعته من أجل السلطة، هو نفسه الذي خرج عليهم حين انقلابه، مهدداً ومتوعداً، قائلًا: “نحن أوصياء على هذا الشعب، الجيش هو الوصي عليكم”.
هكذا قالها “الوصي” النزق الذي عاد الآن ليتوسّل من كان يزعم أنه وصيٌّ عليهم، ليقاتلوا من أجله!
أيها العسكري المأفون؛ لقد تقدّم السودانيون واختاروا السلام طريقاً لهم، فتقدّم أنت، وكن رجلاً – ولو مرة واحدة في حياتك- وحارب بسلاحك أنت، لا بصدور الأبرياء العارية. ومنذ متى وأين صار الشعب هو الذي يحرس الجيش؟
تقدّم أنت وعلي كرتي وحاربا، أما نحن فإلى طريق السلام متقدّمون.