هناك خيط رفيع بين أن تكون مسالماً ومتسامحاً وبين أن تبدو مستسلماً وضعيفاً، ولا أعرف ما السبب وراء هذا الخلط في التصور الذي يجعل الهوان يبدو كالمجد، والتعدي كأنه الترفّع؟!
غير أنّ الراجح أن وراء ذلك هو التفسير الخاطئ للآية الواردة في “إنجيل متّى” عن سيدنا المسيح عليه السلام:
“لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضاً””.
وقد جاءت هذه الآية في موعظة الجبل، أطول خُطب السيد المسيح وأرفعها قدراً، ولولا ما لحقها من تأويلات السلف – سامحهم الله – لما علق تفسيرها السطحي في أذهان الناس حتى يومنا هذا، يتناقلونه كأنه حقيقة لا تقبل النقاش!
إن سيدنا المسيح عليه السلام، وله الإجلال والاحترام، حين قال هذه الموعظة لم يكن يدعو إلى تكريس الذل والمهانة، وإنما كان ينقل الناس من ضيق الالتزام الحرفي بشريعة العهد القديم؛ حيث “العين بالعين والسن بالسن”، إلى رحابة العهد الجديد؛ عهد السمو الروحي والأخلاقي، وتحكيم العقل دون الانقياد للعاطفة والانفعال، والارتقاء من قوة الجسد إلى قوة الروح.
ولم يدعُ السيد المسيح قط إلى الهوان والمذلة؛ بل وقف ضدها وطبّق الآية في معناها الروحي على نفسه يوم دخل الهيكل، فرأى الباعة والصيارفة يحوّلون بيت العبادة إلى سوق، فغضب غضباً شديداً وثار عليهم، وأمسك حبلاً فجعل منه سوطاً ضربهم به، وقلب موائدهم، ونثر نقودهم على الأرض، وقال قولته الخالدة: “بيتي بيت صلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”.
وربما يسأل سائل: وما علاقة هذا بالمقال؟
وعن هذا يُروى أنّ أعرابياً كان مولعاً بالشعر، فسُئل عن رأيه في شعر الأخطل – وكان شاعراً فذّاً ومسيحياً متديناً – فأجاب الأعرابي: لا تسألوني عن شاعر حبّب شعره النصرانية إلى نفسي.
كذلك فعل سيدنا المسيح في نفسي، وأقصد هنا المسيحية في نسختها الأصلية قبل غدر يهوذا، كما الإسلام في رسالته المحمدية الخام قبل ظهور “البخاري”، حيث التوحيد والحرية والكرامة: “ولقد كرمنا بني آدم”.
الحديث في هذا الموضوع ذو شجون، ولا شيء يستطيع أن يمنع يتيماً من البكاء، وقد نال منا تجار الدين في بلادنا ما نالوا، فأسهبت حتى بلغ المقال حافته ولم يبلغ موضوعه بعد، وهو عن الأصوات الإعلامية الإماراتية التي انطلقت أخيراً بعد فترة صبر طويل ظلوا فيها مترفعين عن مصارعة الخنازير سمواً و ترفّعاً لا ضعفاً، فتمادَت الخنازير القذرة، وكان أن تلقت حجارة على وجوهها جعلتها تتوارى إلى حظائرها النتنة!
لقد صبر الإعلام الإماراتي على تجار الدين علّهم يرعووا، فازدادوا ضلالاً وسفالة، فحوّل حبال صبره إلى سوط يؤدب به تجار الدين في بورتسودان تاجراً تاجراً، ويجلد به لصوص الذهب لصاً لصاً، ويصفع به وجوه الكيزان قتلة شعبهم كوزاً كوزاً، وقاتلاً قاتلاً، كما فعل سيدنا المسيح مع التجار واللصوص، فجلدهم تاجراً تاجراً ولصاً لصاً.
شخصياً، لست محايداً في هذا الأمر، ولا ينبغي لأي سوداني حر، مقيماً كان أو غير مقيم في هذا البلد الكريم، أن يكون كذلك. ولا يجوز الخضوع للابتزاز أو الارتباك أمام سيول الأكاذيب والبذاءة.
لهذا، سأظل أدافع عن الإمارات في وجه حملات التضليل التي تستهدفها، وسأقف إلى جانبها بالقول والفعل ، وبالباع والذراع، ضد حملات التيارات الإسلامية الممتدة من غزة إلى إسطنبول، ومن الدوحة حتى كابول، شاء من شاء و أبى من أبى.