ابراهيم مطر
بعد إعلان سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة المثلث الحدودية في يونيو الماضي، دعا أحد الناشطين في الغرف الإعلامية الإخوانية الجيش المصري لمهاجمة قوات الدعم السريع المتواجدة في المنطقة قائلاً (المعركة دي ما بتاخد معاكم ساعات)!
ومن الممكن أن يتقبل الإنسان سماع ما ورد أعلاه من سابلة الأسافير، لكن أن يمضي من يلقبونه بالبروفيسور ليكتب بذات الطريقة المتهافتة مقالاً يستدعي فيه وقائعاً من التاريخ في تفكير رغائبي ينافي الواقع ويجافيه، فذلك مما يعجب له المرء، ولو أن عجائب حرب أبريل المتزايدة كل يوم، لم تترك مجالاً لمستحيل.
كتب الإخواني البروفيسور ”التيجاني عبد القادر حامد” مقالاً تحت عنوان (هل حانت اللحظة الحاسمة في حرب السودان؟ شيءٌ من التاريخ وقليلٌ من السياسة)، تضمن حوالي الألف ومئتي كلمة، استدعى في أغلبه تاريخ الحرب العالمية الثانية، يجتر ما جرى فيها من أحداث منتقاة، ويحاول إسقاطها – تلبيساً -على وقائع حرب إخوانه الحالية، ليخلص في نهاية المطاف إلى تهديد “مصر والسعودية”، من مغبة عدم نصرة الجيش المسيس، وتنظيم الإخوان المسلمين في السودان.
تحدث الكاتب في بداية المقال عن شيء سماه “سقوط نظرية الدفاع الأرضي الثابت” العسكرية! – وسرد وقائعاً من الحرب العالمية الثانية، لخصها في سقوط “خط ماجنو” الدفاعي الفرنسي أمام الهجمات الألمانية، وطلب فرنسا النجدة من بريطانيا “تشرشل”، الذي تقاعس عن نجدتهم، حتى احتل النازيون باريس، واتجهوا بعدها لبريطانيا محطمين خطوطها الدفاعية.
وكانت فكرة المقال اليتيمة هي أن بريطانيا كان يمكن أن تتجنب مقاتلة النازيين على أراضيها، إن هي قبلت الدفاع عن فرنسا، وخاضت الحرب ضدهم من فوق السماء الفرنسية. ليخلص للقول (لقد تأكد فيما بعد أن بريطانيا قد ارتكبت بموقفها ذلك خطأ استراتيجياً كبيراً، وأنها ستدفع ثمناً باهظا نتيجة لذلك الخطأ).
وما بين القوسين أعلاه هو أول أمر مقال الكاتب الإخواني وآخره. إذ يحذر “التيجاني” السعودية ومصر “اللتان هما في مقام بريطانيا تشرشل”، من عدم نجدة الجيش السوداني المسيس وحلفائه من كتائب الإخوان المسلمين “الذين هم في مقام “فرنسا” في تلك العصور السحيقة”، لئلا تهاجمهم قوات الدعم السريع في بلدانهم حال انتصارها، باعتبار أن قوات الدعم السريع، هو من يمثل “ألمانيا النازية” في رواية ذلك الإخواني البائسة.
وتتجاهل سردية هذا “الإخواني” أننا نعيش في عالم اليوم، حيث يعلم الجميع سيطرة تنظيم الحركة الإسلامية على قيادة الجيش السوداني، بل ويتعامل معه الجميع – تقريباً – كجيش مسيس دانت له السلطة في مناطق سيطرته بحكم الامر الواقع، ولا يتعامل معه حتى الشقيقين الأكبر – كما سماهما التيجاني – كحكومة شرعية. خاصة بعد ثبوت ارتكابه جرائم تطهير عرقي، واستخدامه الموثق للسلاح الكيميائي، وارتباطاته المعروفة بمنظمات إرهابية أجنبية.
وأنت لا تجد يا عزيزي القارئ سبباً واضحاً يجعل التيجاني ينظر لمصر والسعودية كشقيقين “كبيرين”، أو تعرف “لماذا يستصغر السودان بجعله الأخ الأصغر حال ذكر الدولتين”، فلا تجد سوى شعور الإخواني الداخلي الدائم بالضآلة، وهي شيمة غالبية عضوية التنظيم المجرم، ولله في خلقه شؤون.
كما إن مصر والسعودية لا تحتاجان لمثل مقال التيجاني المتهافت هذا لمعرفة نوايا الدعم السريع، أو تحالف تأسيس. فبخلاف الإعلان المتكرر لقائد الدعم السريع عن اتباع سياسة حسن الجوار مع الدول التي تجمعها حدود مشتركة مع حكومة تأسيس، فإن قنوات الاتصال بين التحالف ودول الجوار بما فيها مصر والسعودية مفتوحة. أما إن كان مقال التيجاني عرضاً صريحاً للعمالة مقابل الدعم العسكري، فإن الأجهزة الاستخباراتية للدول لا تقيم وزناً لما ينشر في الأسافير.
ومن سخرية القدر أن يعتقد بروفيسور التيجاني بأن مقاله قادر على جعل الآخرين يتجاهلون الحقيقة الماثلة أمام أعينهم، ويوالون عدوهم البين “وهو التنظيم الإخواني”، إرضاءً لولي الله الفقيه “علي كرتي”، حتى وهم يعلمون أنه على استعداد لبيع لحيته ودينه في أول مساومة، كونهم لا يأمنون خبث طويته، ويعلمون أن شيمة هذا التنظيم الأشهر هي الغدر ونقض العهود والمواثيق.
وسرعان ما يصل التيجاني للقول:
)أما السيناريو الآخر – والأكثر فظاعة في نظر الكاتب، فهو أن يُجبر الجيش السوداني على الاستسلام، رابطاً إياه بما أسماه “تفكك الدولة”!).
ومن بين سطور مقال التيجاني تلحظ وبوضوح، شعور الحركة الإسلامية بعجزها أمام إكمال ما بدأته من حرب ظنت أنها سبيلها للسلطة. وها هم اليوم يستجدون دول الجوار صراحة للتدخل في صراع داخلي، بينما لا يتورعون عن وصف الآخرين بالعمالة!
ولو لم تنبس الحركة الإسلامية ببنت شفة، لكان مقال التيجاني هذا كافياً لإعلان هزيمتها، وخسارتها لمعركة اختارت موعد اندلاعها، وأعدت لها العدة، وتفاخرت على رؤوس الأشهاد بقدرتها على حسمها خلال ساعات، وغدرت بضحاياها من المدنيين. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.

