في عام 2019، كانت أكثر القصص إلهامًا في العالم تُكتب في السودان. فقد خرج ملايين السودانيين، بقيادة نسائهم بشكلٍ لا يُنسى، إلى الشوارع، وحوّلوا الاعتصام الضخم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم إلى رمز حي للحرية، حيث حلّت القصائد والموسيقى والنقاش والتضامن محل الخوف.
كانت ثورة سلمية أسرت اهتمام العالم، وأثبتت أن الشجاعة قادرة على هزيمة الديكتاتورية دون إطلاق رصاصة واحدة. واستجاب العالم لذلك؛ فرفعت واشنطن اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد عزلة استمرت جيلاً كاملاً. وبدأ الدائنون في شطب مليارات الدولارات من الديون. كما عيّن السودان أول امرأة رئيسةً للقضاء، وأول امرأة وزيرةً للخارجية، وألغى قوانين النظام العام القمعية التي استهدفت النساء لعقود، وانضم إلى اتفاقيات أبراهام، وبدأ العودة إلى المجتمع الدولي. لقد كان بلدًا منبوذًا يتحول إلى شريك.
لكن تلك القصة تغرق اليوم في الدماء. فمنذ أبريل 2023، أسفرت الحرب بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو عن مقتل ما يُقدّر بين 150 ألفًا و400 ألف شخص. كما أُجبر 14 مليون شخص على النزوح من منازلهم، في أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم. ويحتاج أكثر من 30 مليون شخص، أي نحو ثلثي السكان، إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال. وتجتاح المجاعة والكوليرا نظامًا صحيًا منهارًا. وقد ارتكبت أطراف النزاع انتهاكات جسيمة ووحشية، وثّقتها على نطاق واسع تحقيقات دولية، أبرزها بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وهذه الجرائم تستوجب إدانة واضحة لا لبس فيها، لا مكافآت سياسية.
وعلى إدارة ترامب الآن أن تتحرك بناءً على ما تعرفه بالفعل. ففي أبريل 2025، خلصت الولايات المتحدة إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وتشير التحقيقات إلى استخدام غاز الكلور شمال الخرطوم. وأُتبعت هذه النتيجة بفرض عقوبات، ثم دخلت حزمة ثانية أشد صرامة حيز التنفيذ في يوليو الجاري بعد رفض الجيش الامتثال. وفي الوقت نفسه، تغلغلت جماعة الإخوان المسلمين السودانية داخل قيادة الجيش، ونشرت عشرات الآلاف من المقاتلين، تلقى كثير منهم التدريب والتسليح على يد الحرس الثوري الإيراني، ونفذت عمليات إعدام جماعية. وفي مارس، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية الجماعة منظمة إرهابية. اقرأ ذلك مرة أخرى: جيش استخدم أسلحة كيميائية، ومتداخل مع حركة إرهابية مصنفة، ويتلقى السلاح من طهران. إن العالم لا يستطيع تحمل سابقة كهذه، ولا ينبغي أن يُطلب منه ذلك.
وبالنسبة للأمريكيين، فهذه ليست مأساة بعيدة، بل تهديد استراتيجي يتشكل تدريجيًا. فقد أثبتت إيران مرارًا أن قدرتها على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز تُحدث صدمات في أسواق الطاقة العالمية، وترفع الأسعار وتزيد الأعباء على الأسر الأمريكية. والآن تخيلوا أن تُرسخ طهران وجودًا دائمًا على امتداد الساحل السوداني على البحر الأحمر، البالغ طوله نحو 800 كيلومتر، بينما تهدد وكلاؤها بالفعل الملاحة من الضفة المقابلة في اليمن. إن تمركز إيران على أحد الجانبين ووكلائها على الجانب الآخر سيضع أحد أهم الممرات البحرية في العالم تحت ضغط غير مسبوق. كما أن السودان الذي تديره جماعة الإخوان المسلمين سيمنح الجماعات الجهادية ما منحه سابقًا لأسامة بن لادن: ملاذًا آمنًا على نطاق قاري. فالحروب من هذا النوع لا تبقى داخل حدودها، بل تدفع إلى الهجرة الجماعية، وتغذي تهريب السلاح وشبكات التطرف، ثم تصدّر عنفها إلى الخارج.
والحل موجود بالفعل على الورق. فقد وضعت اللجنة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم فترة انتقالية مدتها تسعة أشهر تقود إلى حكومة مدنية لا تخضع لأي من طرفي الحرب، مع تفكيك شبكات جماعة الإخوان المسلمين بدلاً من استيعابها. وما ينقص هو التنفيذ: وقف فوري لإطلاق النار يخضع للمراقبة، وفرض عقوبات حقيقية ومتدرجة على أي طرف يعرقل ذلك، وإطلاق عملية سياسية تعيد السودان إلى المسار الذي اختاره شعبه عام 2019: دولة مدنية، ذات سيادة، خالية من حكم الجنرالات ومن الحركة التي دمّرت البلاد. إن العنصر المفقود ليس النفوذ، بل استراتيجية لتحويل هذا النفوذ إلى سلام.
إن السودانيين لا يطلبون إرسال قوات أمريكية. إنهم يطلبون من الولايات المتحدة أن تفي بما وعدت به. قبل سبع سنوات، وقف شباب عُزّل أمام آلة عسكرية وهم يهتفون بكلمة واحدة: “سلمية”، وانتصروا. لقد آمنوا بأن شجاعتهم ستُقابل بالشراكة. وإذا مات هذا الوعد في السودان، فسيدرك كل مستبد الرسالة، وسيدركها أيضًا كل شاب يفكر فيما إذا كانت الحرية تستحق المخاطرة. أوقفوا الحرب. نفذوا خريطة الطريق. وأثبتوا أنه عندما يختار شعب الحرية بدلًا من الخوف، فإن أمريكا لا تكتفي ببيانات القلق، بل تحضر بإرادة حقيقية وحزم.
نبذة عن الكاتب:
خالد عمر يوسف هو سياسي سوداني ووزير سابق لشؤون مجلس الوزراء في الحكومة الانتقالية المدنية بالسودان (2019–2021). يُعد من أبرز المدافعين عن الديمقراطية والسلام والحكم المدني، وعارض النظام الإسلامي في السودان منذ نشاطه الطلابي في أواخر تسعينيات القرن الماضي. لعب دورًا قياديًا في ثورة ديسمبر 2018–2019، وساهم في التفاوض على المرحلة الانتقالية الديمقراطية، ولا يزال ناشطًا في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الحالية عبر عملية سياسية يقودها المدنيون. ويكتب ويتحدث باستمرار عن السودان، والأمن الإقليمي، وسبل مواجهة الحركات المتطرفة.
نقلاً عن صحيفة (Washington Examiner) الأمريكية – ترجمة: صحيح السودان