بقلم فتحي محمد عبده
منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، دخل السودان في مرحلة جديدة من الصراع السياسي المسلح، حيث تحولت ساحات القتال إلى مسرح لإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في البلاد. كان واضحاً أن الأزمة لم تعد مجرد صراع بين قوتين عسكريتين، بل باتت مواجهة مفتوحة بين مشروعين متناقضين: أحدهما يسعى لإعادة إنتاج دولة الهيمنة والاستبداد تحت مظلة الإسلام السياسي، والآخر يناضل من أجل بناء سودان جديد قائم على الحرية والسلام والعدالة.
في هذا السياق، وبعد إعلان ميثاق السودان التأسيسي لم يعد التنسيق العسكري بين القوى المناهضة للمشروع الإسلامي مسألة خيار، بل ضرورة استراتيجية لضمان بقاء السودان الواحد الموحد. فمسألة بناء جيش قومي مهني واحد وفق مبادئ الميثاق التأسيسي والدستور الانتقالي لعام 2025 هو هدف طويل الأمد، لكن اللحظة الراهنة تفرض واقعاً مختلفاً يتطلب وحدة البندقية في مواجهة العدو المشترك.
المعركة ضد الأخوان المسلمين ومشروعهم الدموي في السودان ليست مجرد صراع عسكري، بل هي حرب على مشروع سياسي واجتماعي يسعى إلى إعادة فرض سيطرته بالقوة. وعليه، فإن القوى الموقعة على ميثاق تحالف السودان التأسيسي تدرك أن نجاحها في تحقيق أهدافها السياسية رهين بمدى قدرتها على التنسيق العسكري والعملياتي المشترك. فقد أثبتت التجربة أن غياب التنسيق الفاعل بين القوى المسلحة المناهضة للإسلاميين كان من العوامل التي مكنت الجيش وكتائبه العقائدية من إعادة التموضع رغم الخسائر التي تكبدها.
الأمر الجيد هو بداية العمل على وضع ترتيبات مشتركة بين الفصائل المنضوية تحت التحالف، بما يضمن وحدة القيادة والقرار العسكري. فلا يمكن لأي فصيل أن يخوض هذه المعركة بمفرده، كما لا يمكن السماح بتكرار الأخطاء السابقة التي أدت إلى تشتيت الجهود وإضعاف الجبهة المناهضة للإسلاميين.
لقد شهدت الفترة الماضية تنسيقًا عسكرياً متزايداً بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال وحركة جيش تحرير السودان – المجلس الانتقالي في عدة جبهات، في مؤشر واضح على إدراك هذه القوى لحتمية العمل المشترك. ويجري حالياً رفع مستوى التنسيق ليشمل توحيد القيادة العملياتية في القطاعات الميدانية المختلفة مع بقية القوى المسلحة لتحالف تأسيس، إلى جانب تبادل الدعم الميداني والاستخباراتي، وتنسيق الخطط التكتيكية وفق رؤية موحدة.
إن هذه الخطوات ليست مجرد ترتيبات عسكرية آنية، بل هي جزء من عملية طويلة تهدف إلى إعادة هيكلة الفصائل المسلحة لتتكيف مع طبيعة العمليات المشتركة، وصولا إلى بناء نواة الجيش القومي المهني الجديد. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الجيوش الوطنية لا تُبنى في أوقات السلم فقط، بل تتشكل أيضاً في خضم المعارك، حيث تتبلور العقيدة القتالية المشتركة وتتجذر الروح الوطنية بين المقاتلين.
عموما إن التركيز على الهدف المشترك: هزيمة مشروع الإسلاميين وبناء السودان الجديد هو الهدف الاسمى الذي تحالفنا لأجله متجاوزين كل الصغائر دون ذلك، ففي لحظات التحولات الكبرى، تكون وحدة الصف هي العامل الحاسم في تحديد مسار الأحداث. وإذا كانت وحدة القضية قد تحققت عبر الميثاق التأسيسي، فإن وحدة البندقية هي الخطوة التالية لضمان انتصار هذا المشروع. فلا مجال للمناورة أو التردد، فالمعركة التي يخوضها تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) ليست مجرد جولة عابرة في صراع السلطة، بل هي حرب وجودية ستحدد مصير السودان لعقود أو قل لقرون قادمة. وأي تهاون في تحقيق وحدة البندقية تحت قيادة عسكرية موحدة سيكون بمثابة تكرار للأخطاء التي أجهضت ثورات السودانيين السابقة.
لقد آن الأوان للعمل وفق رؤية استراتيجية واضحة تضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار آخر. فوحدة القضية يجب أن تنعكس في وحدة السلاح والبندقية، لأن مصير السودان الجديد لن يُحسم في أروقة السياسة وحدها، بل في ساحات القتال أيضاً.
نيروبي 18 مارس 2025