لم يكن المدعو “الإنصرافي” الأول، ولن يكون الأخير الذي يتخفّى تحت اسم مستعار ويحظى بالقبول بين الجماهير السودانية الغارقة في الخرافة والعاشقة للغموض. يعزو محللون نفسيون ذلك إلى تعقيدات التربية الدينية السودانية، التي تكرّس الغموض وتبحث دوماً عن غامض وغائب، وعن أي محمد وأحمد ليصبح مهديها المنتظر، وهذا أمر آخر لا المجال مجاله، ولا المقال مقاله!
بإسدال الستار عن هذا الغموض، وكشف الستار عن أن “الإنصرافي” هو شخص يُدعى محمد محمود السماني، يعيش في ولاية آيوا بالولايات المتحدة الأميركية، ويتلقى إعانات مالية من حكومتها، ولا يمتلك مؤهلاً علمياً أو مهارة مهنية تؤهله للعمل في مجتمع عالي التنافسية. إذ لا يجيد شيئاً سوى قيادة السيارة بقدرات “خرطومية”، لا تمكنه حتى من أن يصبح سائقاً “إنترناشيونال” مميزاً، كما أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية رغم طول إقامته هناك.
ينتمي السماني إلى جماعة إرهابية فاسدة (الإخوان المسلمين)، وتدين عائلته كلها بالولاء لهذه الجماعة، وفقاً للمعلومات المتوفرة عنه حتى الآن. لكن كل هذا ليس جوهر القضية، وإنما ذكرناه لتسليط الضوء على تاريخ هذا المجرم، الذي أساء لمجتمعات بأكملها، وأهان وسخر من كثيرين، وخاض في شرف وعِرض السودانيين كما لم يفعل أحدٌ من قبله. كما أنه ظل يبتز كبار رجال الأعمال والمسؤولين وضباط الجيش والأمن، ويحصل على أموال بطرق غير شرعية عبر التبرعات/ الأتاوات التي يفرضها عنوةً وتحت التهديد، مستغلاً جماهيريته، ومستفيداً من الفراغ وحال اللا دولة التي تمر بها بلادنا.
ظل الرجل يبث خطاب الكراهية والعنصرية، ويدعو إلى الحرب ويؤججها على مدى سنوات، ويحرض على ارتكاب جرائم حرب، بدعم مباشر أو غير مباشر من جهات نافذة في حكومة بورتسودان، وقيادة الجيش، وقيادة جماعة الإخوان المسلمين (حزب المؤتمر الوطني). والدليل على ذلك استضافته – وهذا أمر لافت – في تلفزيون السودان (الرسمي)، وهو مؤسسة إعلامية تتبع للحكومة وتعبّر عنها. كما تم تكريمه رسمياً من قبل قيادة الجيش ممثلةً في اللواء الوليد عبد القادر، ما يعني أنه معلوم لديهم، وربما يعمل تحت إمرة الاستخبارات العسكرية أو قيادة الجيش مباشرة. وإلا، فكيف تجرؤ مؤسسة من مؤسسات الدولة (الجيش على وجه الخصوص) على تكريم شبح متخفٍّ (شخص مجهول) لا تعرف عنه شيئاً؟!
كما أن كثيرين قبلوا أن يكرّمهم محمد محمود السماني (الإنصرافي)، وأبرزهم الفنان عاطف السماني. كما كتب العديد من الصحفيين (الكبار مجازاً) عن الإنصرافي في سياق المدح والإعجاب، وأبرزهم الصحفي الكوز، وآخر وزير إعلام في حكومة المخلوع البشير، حسن إسماعيل، الذي كتب في 11 فبراير 2024 أن صديقاً له داعبه قائلاً: “كُبار كده وبتسمعوا الإنصرافي؟”، فطفق الرجل يمدح هذا الشخص المجهول (آنذاك) قائلاً: “ربنا سخّر الإنصرافي عشان يهزم ترسانة الفضائيات الضخمة المتحزمة ورابطه نُصها وبتطبل لقحت”. وأضاف: “صفحة الإنصرافي دي أسقطت الوثيقة الدستورية والاتفاق الإطاري وهزمت التمرد… إلخ”.
إن تكريم الإنصرافي من قبل الجيش ممثلاً في شخص لواء ركن، واستضافة التلفزيون الحكومي لشخص مجهول (في ذلك الوقت)، وثناء ومدح بعض من يُعتبرون كتّاباً ومفكرين وسياسيين لا يُشق لهم غبار لشخص مجرم متخفٍّ، تسبب في مقتل آلاف السودانيين من خلال تبنّيه لخطاب الكراهية والدعوة إلى استمرار الحرب، والتعامل العنيف مع المواطنين، وإعدام أي شخص يقف ضد الحرب ويدعو إلى إيقافها، هي ظاهرة تستحق الدراسة والتقصّي.
هل نحن مجتمع وصل به الحال إلى هذا الحد من التردي والجهل والانحطاط؟ أعتقد أن الإجابة “نعم” هي الأكثر ترجيحاً، خصوصاً أن هذه الفئات نفسها لا تزال تروّج لشخص أو جهة أخرى مجهولة، تطلق على نفسها اسم مستعار هو “البعشوم”. وعندما يجد المرء نفسه أمام مجتمع بأكمله – عدا قليلين – يحتفي بالمجاهيل ويقدّسهم، فلا يملك إلا أن يرفع يديه بالفاتحة، داعياً الله أن يفكّ كربهم ويعيد إليهم عقولهم – اللهم آمين.