الباشا طبيق
لا تزال هناك قراءات سطحية تختزل حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في كونها مجرد صراع بين جنرالين على السلطة والنفوذ. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، يتجاهل حقيقة الأزمة السودانية وتعقيداتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، ويغفل الأسباب العميقة التي قادت البلاد إلى دوامة الحروب وعدم الاستقرار لعقود طويلة.
فما يجري في السودان اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين طرفين متنافسين، وإنما هو صراع بين مشروعين سياسيين متناقضين في الرؤية والأهداف والمستقبل، مشروع يسعى إلى التغيير الجذري وإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة، ومشروع آخر يتمسك ببنية الدولة القديمة ويسعى إلى المحافظة على مراكز النفوذ والامتيازات التي تشكلت عبر عقود من الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية.
يقوم مشروع التغيير الجذري على نقد التجربة السياسية التي تشكلت منذ الاستقلال عام 1956، والتي يرى أنصار هذا المشروع أنها أسست لدولة مركزية احتكرت السلطة والثروة والقرار السياسي، ورسخت أنماطاً من التهميش والإقصاء وعدم التوازن التنموي بين المركز والأقاليم. ومن هذا المنطلق، فإن دعاة التغيير الجذري يعتبرون أن الأزمة السودانية ليست أزمة حكومات متعاقبة فحسب، وإنما أزمة بنية دولة ونمط حكم ظل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة رغم تغير الأنظمة والأحزاب.
وبحسب هذه الرؤية، فإن الحروب التي اندلعت في جنوب السودان سابقاً، ثم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها من مناطق البلاد، لم تكن أحداثاً منفصلة أو أزمات محلية معزولة، بل كانت تعبيراً عن اختلالات هيكلية عميقة في طبيعة الدولة السودانية وفي طريقة إدارة التنوع السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي.
في المقابل، يتمسك المشروع الآخر باستمرار الدولة القائمة ومؤسساتها التقليدية، ويرى أن الحفاظ على تماسك الدولة ووحدتها يقتضي الإبقاء على البنية السياسية والأمنية التي حكمت البلاد لعقود، مع إجراء إصلاحات جزئية أو تسويات سياسية محدودة. إلا أن منتقدي هذا المشروع يرون أنه ظل يعتمد بصورة كبيرة على أدوات القوة العسكرية والأمنية، وعلى شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي التي تشكلت تاريخياً حول مركز السلطة، الأمر الذي ساهم في تعميق فجوة الثقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المواطنين في الأقاليم المختلفة.
ومن هنا فإن جوهر الصراع الحالي يتجاوز مسألة تقاسم السلطة أو تشكيل حكومة جديدة أو توقيع اتفاق سياسي مؤقت. فالقضية في نظر كثير من الفاعلين السياسيين ترتبط بسؤال أكبر وأكثر عمقاً: كيف يُحكم السودان؟ ومن يملك السلطة والثروة؟ وكيف يمكن بناء دولة تعترف بالتنوع وتحقق المشاركة العادلة في إدارة الشأن العام؟
لهذا السبب تبدو بعض المبادرات السياسية التي تسعى إلى معالجة الأزمة عبر ترتيبات قصيرة الأمد أو اتفاقات تركز فقط على وقف الحرب وتقاسم المناصب غير كافية لمعالجة جذور المشكلة. فوقف الحرب يمثل ضرورة إنسانية ووطنية لا خلاف حولها، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق سلام مستدام ما لم يصاحبه مشروع سياسي يعالج أسباب النزاع التاريخية ويعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع والدولة.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء العمليات العسكرية، وإنما في التوصل إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية، ويضمن سيادة القانون، ويحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة، ويكفل الحقوق والحريات لجميع المواطنين دون تمييز على أساس الجهة أو العرق أو الثقافة أو الانتماء السياسي.
وعليه، فإن مستقبل السودان لن يُحسم فقط في ميادين القتال أو على طاولات التفاوض، وإنما سيُحسم بمدى قدرة السودانيين على الاتفاق حول مشروع وطني جامع يعالج الاختلالات التاريخية التي راكمت الأزمات، وينتقل بالبلاد من منطق الهيمنة والإقصاء إلى منطق الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.
إن الأزمة السودانية في جوهرها هي أزمة دولة وهوية وحكم وتنمية، وأي تسوية لا تنطلق من هذا الفهم العميق ستظل معرضة للانهيار وإعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة. ولذلك فإن الطريق نحو السلام الحقيقي لا يمر عبر إدارة الأزمة فحسب، بل عبر معالجة أسبابها الجذرية وبناء دولة جديدة تتسع لجميع أبنائها على أساس الحرية والعدالة والمساواة والمواطنة المتساوية.

