بقلم: إيهاب مادبو
في السودان، لا تبدو الشهادة السودانية هذا العام مجرد امتحان أكاديمي عادي، بل لحظة وطنية استثنائية تختلط فيها المأساة بالأمل، ويتحوّل فيها الجلوس للامتحانات إلى فعل مقاومة في وجه الحرب والتهميش والانهيار الطويل للدولة.
بعد ثلاث سنوات من الحرب والاضطراب والانقطاع القاسي عن الدراسة، يجلس اليوم آلاف الطلاب والطالبات لامتحانات الشهادة السودانية، بعضهم قادم من معسكرات النزوح، وآخرون من مدن محاصرة أو قرى أنهكها الفقر والخوف. هؤلاء لا يدخلون قاعات الامتحانات كطلاب فحسب، بل كأحياء نجوا من الخراب، وحملوا معهم ذاكرة كاملة من الألم والصمود.
طوال عقود، ظلّت الدولة السودانية تعيد إنتاج تفاوتاتها القديمة عبر مركز يحتكر السلطة والفرص، وهامش يطلب منه الصبر والتكيف مع الحرمان. لم يكن التعليم بعيدا عن هذه المعادلة المختلة، إذ تحول في كثير من الأحيان إلى امتياز غير متاح بالتساوي لجميع السودانيين، بدل أن يكون حقا أصيلا يكفله الوطن لكل أبنائه.
ولهذا، فإن مشهد الطلاب وهم يجلسون اليوم للامتحانات يحمل دلالة تتجاوز العملية التعليمية نفسها. إنه إعلان صامت بأن الإنسان، مهما حاصرته الحرب والإقصاء، قادر على الدفاع عن حقه في المعرفة وفي المستقبل. فالطالب الذي يفتح ورقة الأسئلة، إنما يعلن رفضه للهزيمة، وتمسكه بالحياة رغم كل شيء.
الجرس الذي قرع إيذانا ببدء الامتحانات لا يعلن فقط بداية اختبار دراسي، بل يوقظ كذلك أسئلة مؤجلة حول العدالة والمواطنة ومعنى الدولة نفسها. كيف يمكن لوطن أن يستقر بينما يحرم ملايين الأطفال من التعليم؟ وكيف يمكن الحديث عن السلام فيما يترك جيل كامل رهينة للحرب والنزوح والانقطاع عن المدارس؟
إن الطالب القادم من الهامش، لا يحمل معه أوراق الامتحان فقط، بل يحمل تاريخا طويلا من التهميش والإقصاء. يحمل وجوه الأمهات اللاتي بعن ما يملكن كي يواصل أبناؤهن تعليمهم، وأحلام الآباء الذين رأوا في المدرسة الطريق الوحيد للخروج من دوائر القهر التاريخي والفقر والعنف.
وفي هذا المشهد، يتحول التعليم إلى أكثر من مجرد تحصيل معرفي؛ يصبح وسيلة لاستعادة الكرامة الإنسانية، وجسرا نحو العدالة الاجتماعية، وأداة لمواجهة البنية القديمة التي قسمت السودانيين بين مركز يملك كل شيء، وهامش يحرم حتى من أبسط الحقوق.
لكن المأساة لم تعد حكرا على الأطراف وحدها. فالحرب التي مزقت المدن وشردت الملايين كشفت أن الدولة المختلة حين تبني نفسها على الظلم والتمييز، فإن نارها تمتد في النهاية إلى الجميع. ولهذا، فإن أزمة التعليم اليوم ليست قضية الهامش وحده، بل قضية وطن كامل يواجه اختبارا أخلاقيا وسياسيا حول مستقبله ومعنى بقائه.
ورغم هذا الخراب الواسع، يبقى في مشهد الطلاب وهم يتجهون إلى قاعات الامتحانات شيء يشبه الانتصار الرمزي على الحرب. فالشعوب التي تصر على التعليم وسط الدمار، هي شعوب لم تستسلم بعد. والجيل الذي يتمسك بالمعرفة في أكثر اللحظات ظلمة، هو جيل ما يزال يؤمن بأن المستقبل يمكن إنقاذه.
السودان الذي يحلم به هؤلاء الطلاب ليس سودان الامتيازات القديمة، ولا سودان التفاوت بين الناس على أساس الجغرافيا أو القبيلة أو النفوذ، بل سودان العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. سودان يصبح فيه التعليم حقا لا مِنّة، وفرصة للجميع لا امتيازا للبعض.
لهؤلاء الطلاب الذين انتظروا سنوات طويلة ليجلسوا اليوم للامتحانات، لا تكفي كلمات التهنئة وحدها. لأن ما يفعلونه أكبر من مجرد العودة إلى الدراسة؛ إنهم، في الحقيقة، يدافعون عن حقهم في الحياة نفسها، ويكتبون بأقلامهم شهادة جديدة تقول إن هذا الشعب، مهما أثقلته الحروب والخذلان، لا يزال قادرًا على الحلم، وعلى الوقوف، وعلى صناعة الأمل من قلب الألم.