تصاعدت الدعوات الحقوقية المطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل في الاتهامات المتعلقة باستخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية خلال الحرب، بالتزامن مع تحذيرات من استمرار القتال وتفاقم الانتهاكات، وسط انتقادات للسلطة العسكرية التي تدير البلاد من بورتسودان وغياب مسار مدني يحظى بالثقة.
وقال تقرير نشره موقع «مودرن دبلوماسي» إن منظمات حقوقية سعت، خلال الأسبوع الأول من أعمال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، إلى إعادة الملف السوداني إلى صدارة الاهتمام الدولي، مع التركيز على ضرورة إجراء تحقيق فني مستقل في مزاعم استخدام مواد كيميائية، إلى جانب تعزيز حماية المدنيين في مناطق القتال.
وجاء التقرير بعنوان «ليست منسية بل متجاهلة: ناشطون يعيدون حرب السودان إلى مجلس حقوق الإنسان»، مستنداً إلى نقاش حقوقي عقده نادي الصحافة في جنيف في 8 سبتمبر، ونظمته تنسيقية الجمعيات والأفراد من أجل حرية الضمير «CAP-LC».
اتهامات باستخدام الكلور
وأفرد التقرير مساحة واسعة للاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني بشأن استخدام غاز الكلور كسلاح، معتبراً أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالاتهامات وحدها، وإنما بغياب تحقيق دولي متخصص يستطيع الوصول إلى المواقع ذات الصلة، وجمع العينات، وفحص الوثائق والشهادات بصورة مستقلة.
ونقل «مودرن دبلوماسي» عن ويلي فوتره، مؤسس منظمة «حقوق الإنسان بلا حدود»، قوله إن تحقيقات صحفية وثقت ادعاءات بشأن تحويل الكلور إلى سلاح من جانب الجيش السوداني، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة سبق أن أعلنت تقييماً رسمياً يفيد باستخدام أسلحة كيميائية في السودان.
وبحسب فوتره، فإن عدم إجراء تحقيق دولي ميداني بعد مرور أكثر من عام على الموقف الأميركي أبقى القضية معلقة بين الأدلة المنشورة والنفي الصادر عن القيادة العسكرية والسلطة القائمة في بورتسودان.
ويرى المشاركون في النقاش، وفق التقرير، أن النفي السياسي لا يمكن أن يحسم قضية ذات طبيعة فنية وقانونية، وأن الجهة المتهمة لا ينبغي أن تكون الطرف الوحيد المسؤول عن فحص الأدلة المرتبطة بأفعال قواتها.
ويضع هذا الطرح قيادة الجيش أمام خيار السماح لجهة دولية متخصصة بالوصول إلى المواقع والوثائق والمخزونات محل الشبهة، وإجراء فحوص تستند إلى المعايير العلمية وقواعد حفظ الأدلة، بدلاً من الاكتفاء بالنفي الرسمي.
مساءلة السلطة في بورتسودان
ويرى التقرير أن الفجوة بين خطورة الاتهامات والآليات المتاحة للتحقيق فيها تتسع، في ظل استمرار السلطة القائمة في بورتسودان في تقديم نفسها ممثلاً للدولة السودانية، مع عدم وجود مسار مستقل للتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة.
وبحسب الطرح الحقوقي الذي أورده التقرير، فإن غياب التحقيق المستقل يثير تساؤلات حول مدى استعداد السلطة العسكرية لقبول رقابة دولية حقيقية على أداء الجيش، خاصة في ملف قد تترتب عليه مسؤوليات قانونية دولية إذا ثبت استخدام مواد سامة خلال العمليات العسكرية.
كما دعا المشاركون مجلس حقوق الإنسان إلى تجاوز مرحلة تسجيل الاتهامات والمناشدات، والانتقال إلى إجراءات عملية يمكن أن تسهم في حماية المدنيين وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الانتهاكات.
ويضع التقرير قضية الأسلحة الكيميائية ضمن سياق أوسع للحرب، يشمل القصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة واستهداف المناطق المدنية، في ظل ضعف آليات العدالة الوطنية القادرة على التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف النزاع.
«حرب يجري تجاهلها»
وقال تييري فالي، رئيس تنسيقية «CAP-LC»، إن الاهتمام الدولي بالحرب السودانية لا يتناسب، من وجهة نظره، مع حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المدنيون.
وأشار فالي إلى ضعف التغطية والتمويل والتحرك السياسي الدولي تجاه الأزمة، مع استمرار غياب وقف إطلاق النار ووجود عملية سياسية موثوقة وآليات فعالة للمساءلة عن الانتهاكات.
من جانبه، رفض فوتره وصف النزاع بأنه «حرب منسية»، مفضلاً وصفها بأنها حرب «يجري تجاهلها»، في إشارة إلى أن ملايين السودانيين يعيشون يومياً آثار القصف والنزوح والحصار، بينما لا تحظى الأزمة، بحسب رأيه، بالأولوية الدولية المطلوبة.
ويرى التقرير أن تراجع الاهتمام الدولي يتيح للسلطة العسكرية في بورتسودان مواصلة تقديم الحرب باعتبارها دفاعاً عن الدولة، في وقت يتحمل فيه المدنيون تبعات القتال وتدهور الخدمات وتراجع المؤسسات وآليات المساءلة.
حماية المدنيين أولوية
وشدد المشاركون في النقاش على ضرورة توفير حماية عاجلة للمدنيين في المدن المحاصرة ومناطق المواجهات، في ظل استمرار الانتهاكات والصعوبات التي تواجه وصول المساعدات الإنسانية.
وبحسب الطرح الحقوقي، فإن استمرار العمليات العسكرية يفاقم المخاطر التي يتعرض لها السكان، ويزيد الحاجة إلى ترتيبات دولية أكثر فاعلية لضمان حماية المدنيين ووصول المساعدات.
كما أثار غياب مسار سياسي موثوق مخاوف من أن تتحول المبادرات السياسية التي تطرحها السلطة القائمة إلى أدوات لإعادة إنتاج الحكم العسكري، بدلاً من أن تكون مدخلاً لانتقال سياسي يعيد القرار إلى المدنيين.
دعوة للانتقال من البيانات إلى التحقيق
وخلص النقاش الذي أورده «مودرن دبلوماسي» إلى أهمية الانتقال من إصدار البيانات والمناشدات إلى خطوات عملية، في مقدمتها فتح تحقيق دولي مستقل في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وتعزيز حماية المدنيين، وضمان استمرار آليات توثيق الأدلة والمساءلة.
وتكتسب هذه الدعوات أهمية، وفق التقرير، في ظل النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان حول آليات التحقيق في الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب ومستقبل بعثة تقصي الحقائق، وسط انتقادات لمساعي تقليص أو إنهاء آليات الرقابة والتحقيق الدولية.
ويؤكد التقرير أن حسم الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية لا ينبغي أن يتحول إلى سجال سياسي بين أطراف النزاع، وإنما إلى مسار فني وقانوني مستقل يتيح الوصول إلى المواقع والأدلة والشهود، ويحدد الوقائع والمسؤوليات وفق معايير التحقيق الدولية.
ويبقى السؤال المطروح، بحسب المشاركين في النقاش: إذا كانت قيادة الجيش تنفي استخدام الأسلحة الكيميائية، فلماذا لا تُفتح المواقع والوثائق ذات الصلة أمام تحقيق دولي متخصص ومستقل؟
وبين الاتهامات المتداولة والنفي الرسمي، يظل حسم الحقيقة مرتبطاً بقدرة آلية تحقيق مستقلة على الوصول إلى الأدلة وفحصها بعيداً عن أطراف النزاع، بما يضمن للضحايا معرفة ما حدث وتحديد المسؤولين عنه إذا ثبتت الانتهاكات.

