بينما تتسارع التحضيرات لإعلان حكومة بورتسودان برئاسة الدكتور كامل إدريس، تتزايد المخاوف داخل القوى المدنية السودانية من جهود تقودها أطراف إقليمية لتحصيل اعتراف “شرعي” بتلك الحكومة داخل الاتحاد الأفريقي، بما يعني فعليًا قلب الطاولة على المكون المدني، وتحويل الحرب في السودان إلى “حرب شرعية ضد التمرد” في نظر القارة والعالم.
الرهان على الاتحاد الأفريقي
في أكتوبر 2021، جمد الاتحاد الأفريقي عضوية السودان عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في ما عُد حينها موقفًا مبدئيًا صارمًا ضد الانقلابات العسكرية، انسجامًا مع مقررات “لودرون” التي تُدين التحولات غير الدستورية للسلطة.
لكن منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعاد الاتحاد صياغة مقاربته للأزمة، عبر الإبقاء على الآلية رفيعة المستوى بقيادة محمد بن شمباس، كقناة اتصال، دون رفع التجميد، لكن أيضًا دون قطع التواصل.
حديث بن شمباس الأخير عن أن “السودان ليس فراغًا”، أثار قلق القوى المدنية التي رأت فيه إشارة خفية إلى إمكان التعامل مع حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، ولو من باب “الواقعية السياسية”.
حكومة بورتسودان: هندسة “الاعتراف المرحلي”؟
منذ أداء الدكتور كامل إدريس اليمين الدستورية أمام البرهان، بات واضحًا أن تشكيل الحكومة الجديدة ليس فقط محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي لبورتسودان، بل لإعادة هندسة شرعية مفقودة، عبر التسلل من بوابة الاعتراف القاري.
لكن القوى المدنية ترى أن هذه الخطوة تمثل “مناورة شرعنة انقلابية” تهدف إلى دفن مطالب الثورة، وتحييد المعارضة السلمية، وفتح الطريق أمام عودة رموز النظام البائد من بوابة الحرب.
“البرهان لا يملك أي مرجعية دستورية لتعيين رئيس وزراء. السودان في حالة حرب، وتشكيل حكومة في هذه الظروف مناورة لا معنى لها”، يقول بكري الجاك، المتحدث باسم تحالف “صمود”، أحد أبرز أجنحة الحراك المدني المناهض للحرب.
صراع السرديات: “الشرعية مقابل التمرد”
تخشى القوى المدنية من أن يقود الاعتراف بحكومة إدريس إلى تثبيت سردية الجيش: أن ما يجري في السودان هو “تمرد مسلح ضد الدولة الشرعية”، بينما الحقيقة، بحسب قوى الثورة، أن الجيش نفسه هو من انقلب على الشرعية في 2021، وأدخل البلاد في حرب مدمرة للحفاظ على سلطته.
ووفق مراقبين، فإن أي تحرك أفريقي للاعتراف بالحكومة الجديدة سيفتح الباب أمام:
- إعادة تنشيط النظام القديم تحت مظلة “الشرعية العسكرية”.
- تهميش كامل للمكون المدني والثوري.
- تدويل الحرب كسردية “جيش وطني ضد متمردين”، مما يهدد بإطالة أمد النزاع.
كامل إدريس: واجهة تكنوقراطية بعمق عسكري؟
رغم أنه ليس شخصية حزبية تقليدية، إلا أن كامل إدريس، بحسب الصحافي صلاح شعيب، مجرد “جندي في معركة البرهان”، و”أداة سياسية لتخفيف الضغط الدولي عن قائد الجيش”.
“من الواضح أن رئيس الوزراء الجديد لا يخاطب السودانيين، بل يخاطب البرهان. استعار منه مفردات (حرب الكرامة) وجعل من نفسه وزيرًا للدعاية”، يقول شعيب.
الرهان على علاقات إدريس الدولية لتلميع الحكومة قد لا يُجدي، بحسب شعيب، لأن خلفية إدريس الأممية في مجال الملكية الفكرية ليست ذات صلة بالشبكات السياسية المؤثرة على قرارات الاتحاد الأفريقي أو الغرب.
هل ينجح الجيش في تمرير الحكومة؟
رغم كل الجهود، يبقى احتمال انتزاع اعتراف أفريقي رسمي بالحكومة الجديدة ضعيفًا في المدى القريب، بسبب:
- استمرار الحرب وتعقيداتها.
- هشاشة التوافق بين الحركات المسلحة والجيش.
- الرفض الشعبي والاحتجاج المدني المتصاعد في مناطق سيطرة بورتسودان نفسها.
- غياب إجماع إقليمي كافٍ يدعم هذه الخطوة.
لكن القوى المدنية تدرك أن الانتصارات لا تتحقق فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في دهاليز الدبلوماسية، وأن على تحالفات الثورة أن تتحرك سريعًا لتحصين ما تبقى من موقف الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، قبل أن تفقد حتى أوراقها الرمزية.

