مرّ عيد الأضحى على ملايين السودانيين بعيدًا عن وطنهم المنكوب بالحرب، وسط ظروف إنسانية قاسية، في المخيمات أو على أرصفة المنافي، حيث لا مأوى ولا أمل في نهاية قريبة لأطول الحروب وأكثرها دموية في تاريخ السودان الحديث.
تشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن نحو 4 ملايين سوداني فرّوا من البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، غالبيتهم إلى دول الجوار، حيث تتزايد الضغوط ونقص التمويل والمعاناة اليومية.
تشاد: وجهة الموت البطيء
تشاد، التي استقبلت أكثر من 844 ألف لاجئ سوداني خلال العامين الماضيين، تُعد أكثر الدول استضافةً للنازحين السودانيين. وقد زادت الأعباء على هذا البلد الهش بعد تصاعد الهجمات في شمال دارفور، خاصة على مخيمات زمزم وأبو شوك ومدينة الفاشر.
وقال منسق مفوضية اللاجئين في تشاد، دوسو باتريس أهوانسو، إن أكثر من 69 ألف سوداني عبروا الحدود خلال الشهر الأخير وحده، بمعدل 1400 شخص يوميًا، معظمهم يفرّون تحت نيران الحرب، عبر نقاط تفتيش تسيطر عليها جماعات مسلحة تمارس الابتزاز والانتهاكات.
ووفق تقارير المفوضية، فإن 72% من اللاجئين الذين أجريت معهم مقابلات، أبلغوا عن تعرضهم لانتهاكات جسيمة، شملت العنف الجسدي والجنسي، والاعتقال التعسفي، والتجنيد القسري، بينما أكد 60% منهم أنهم فقدوا الاتصال بأفراد من أسرهم.
جنوب السودان: عيد في الظل
ورغم أن عيد الأضحى مرّ بـقدر من الهدوء على السودانيين في العاصمة جوبا، إلا أن اللاجئين في معسكرات أعالي النيل ظلوا في أوضاع أكثر بؤسًا.
جنوب السودان يستضيف نحو 330 ألف لاجئ سوداني، ويواجه السودانيون هناك توترات متكررة نتيجة الصراعات العابرة للحدود. ففي يناير الماضي، قتل سبعة سودانيين وأصيب آخرون خلال احتجاجات في مدن جنوبية، إثر مقتل جنوبيين في ولاية الجزيرة السودانية.
يقول أحد التجار السودانيين في سوق جوبا لـ”سودان تربيون”:
“لقد دفعنا ثمن خطاب التحريض والكراهية. نحن لا نريد سوى السلام والعيش بكرامة.”
إثيوبيا: فرار نحو البيروقراطية
أكثر من 60 ألف سوداني عبروا إلى إثيوبيا منذ بدء الحرب، لكن أوضاع اللاجئين هناك تتأرجح بين الخوف الإداري والتهديد الأمني. فقد تعرضت معسكرات مثل كومر وأفتيت لهجمات من جماعات إثيوبية مسلحة.
في العاصمة أديس أبابا، تتزايد القيود على حركة السودانيين. فبعد وقف إعفاء التأشيرات، بدأت السلطات فرض رسوم باهظة: 100 دولار شهريًا لتجديد الإقامة، وغرامات تصل إلى 3000 دولار في حال التأخير.
يقول أحد اللاجئين لـ”سودان تربيون”:
“العيد هنا بلا نكهة.. لا طعام ولا فرحة، ولا حتى بصيص من الاستقرار. ما نريده فقط أن نُعامل كبشر.”
ليبيا: العيد كفرصة للبقاء
ورغم الفوضى الليبية، شكّل العيد فرصةً نادرةً للقاء السودانيين في المدن المختلفة، وتبادل التهاني في ظل الشتات القاسي.
يُقدّر عدد السودانيين في ليبيا بنحو 210 آلاف شخص، غالبيتهم لا يحملون وثائق، ما يجعلهم عرضة للاعتقال والترحيل. ووفق شهادات، أُجبر بعض اللاجئين على العودة القسرية إلى السودان تحت وطأة العنف أو التهديد.
أزمة بلا أفق
في كل هذه المنافي، يتقاطع العيد مع اليأس الجماعي لملايين السودانيين، الذين لم يختاروا هذه الحرب، ولم يعد لديهم سوى الذكريات عن وطنٍ مفقود، وأحلام ضائعة في دهاليز المعابر والمخيمات ومكاتب اللجوء.

