في خطوة نادرة تعكس روح المبادرة المدنية، اجتمع أكثر من 47 مثقفًا ومفكرًا وأكاديميًا سودانيًا من مختلف الأقاليم والاتجاهات الفكرية في العاصمة الأوغندية كمبالا، من 15 إلى 17 يونيو، في ملتقى فكري وطني نظمه مشروع الفكر الديمقراطي وحركة تضامن من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بهدف صياغة رؤية جماعية لإنهاء الحرب وبناء دولة مدنية جديدة.
توافق فكري: لا سلام دون جبهة مدنية موحدة
أكد المشاركون أن إنهاء الحرب يتطلب توحيد جبهة مدنية عريضة تشمل قوى المجتمع المدني والهامش والحركات السياسية والنقابية، للضغط على أطراف النزاع. وقال شمس الدين ضو البيت، مدير مشروع الفكر الديمقراطي، إن الأزمة السياسية السودانية تتجذر في الفشل المتكرر لإيجاد صيغة مدنية ديمقراطية للتعايش، وسط تجاذبات بين ثلاث قوى: الديمقراطية، والهامش، والدولة الدينية، مدفوعة بانقلابات متكررة منذ 1958.
قضايا التهميش، العسكرة، والدولة الدينية في صلب النقاش
تضمن الملتقى 25 ورقة بحثية تناولت محاور تشمل: الدولة المدنية، العدالة الانتقالية، التمليش، التهميش، المواطنة المتساوية، ودور الإعلام. وقدم خبراء بارزون أمثال د. صدقي كبلو، د. سليمان بلدو، ود. زهير بشار تحليلات معمقة لواقع الدولة السودانية ما بعد الاستعمار، معتبرين أن التنمية غير المتوازنة وتمركز السلطة أنتجا الهشاشة الحالية.
في محور العدالة الانتقالية، دعا المتحدثون إلى نماذج سودانية لا تستنسخ تجارب الآخرين، تبدأ من القواعد الشعبية وتُبنى على الشفافية والمحاسبة.
الشباب والنساء والمجتمعات المهمشة.. نحو مركزية جديدة
شدّد الحضور على ضرورة إدماج الشباب والنساء والمجتمعات المهمشة في أي عملية تغيير سياسي. وقدّمت د. هنادي المك دراسة ميدانية من النيل الأزرق كشفت عن تفاقم التهميش الجندري بسبب العسكرة، بينما سلط محمد علي مهلة الضوء على مجتمع الكنابي كمثال على التهميش المقنن.
توافق على نهاية التمليش وبناء جيش قومي مهني
أجمع المشاركون على أن تفكيك المليشيات وبناء جيش قومي موحد ذو عقيدة وطنية مدنية هو مدخل ضروري للاستقرار، واعتبروا أن الدولة السودانية الحالية ورثت البنية الاستعمارية وأعادت إنتاجها عبر نخب غير ديمقراطية.
الإعلام والدولة المتنوعة
في الجلسة الختامية، انتقد الصحفي عبد المنعم أبو إدريس فشل الإعلام في تمثيل التنوع الإثني والثقافي، فيما قدّم إسماعيل التاج رؤية قانونية للعدالة الانتقالية، وطرح عبد الجبار دوسة مقاربة لمفاهيم الإنصاف والمساءلة.
الدعوة إلى حوار وطني شامل.. ومؤتمر شبابي وشيك
أوضح ضو البيت أن الملتقى جاء بدعوات شخصية بعيدًا عن الإقصاء، وضم مشاركين من تيارات إسلامية ويسارية ومدنية، مشددًا على أن السودانيين قادرون على الالتقاء رغم الجراح، إذا ما غاب التوظيف الأيديولوجي والمصالح الأجنبية.
وكشف عن نية مشروع الفكر الديمقراطي تنظيم ملتقى شبابي موسع في المرحلة المقبلة، لصياغة رؤية وطنية شبابية موحدة لمستقبل السودان.
أبرز المشاركين:
د. سليمان بلدو – د. صدقي كبلو – د. عبد السلام نور الدين – د. الشفيع خضر – السفير نور الدين ساتي – فيصل محمد صالح – مديحة عبد الله – د. هويدا عتباني – عبد الجبار دوسة – د. محمد جميل أحمد – د. زهير بشار – د. زينب أونور – د. أسماء النعيم – فتح العليم عبد الحي – نعمات كوكو – محمد علي مهلة – عبد المنعم أبو إدريس – وغيرهم.
خلاصة: يمثل ملتقى كمبالا خطوة فكرية جادة في سياق البحث عن سودان جديد يتجاوز الحرب والتمليش والشمولية، عبر حوار سوداني-سوداني حر، يسعى إلى تفكيك بنية التسلط والتهميش المزمنة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع.

