تشهد الساحة السودانية تصعيدًا عسكريًا جديدًا بعد إعلان قوات الدعم السريع تقدمها مجددًا نحو العاصمة الخرطوم من جهة الغرب، وسيطرتها على منطقة “رهيد النوبة” بولاية شمال كردفان، التي تبعد قرابة 20 كيلومترًا فقط من أم درمان، مما يعيد رسم مشهد المواجهة حول الخرطوم ويكشف عن نوايا ميدانية للتوغل مجددًا نحو قلب البلاد.
دعم من الجنوب الشرقي: تحالف استراتيجي في النيل الأزرق
بالتوازي مع هذا التقدم، أفادت تقارير محلية ودولية عن تحالف عسكري أبرمته قوات الدعم السريع في مارس الماضي مع الجنرال جوزيف توكا، أحد أبرز القادة المسلحين في إقليم النيل الأزرق، وهو ما يمثل تحولًا لافتًا في الخريطة العسكرية بالمنطقة.
وبحسب المعلومات، أقامت قوات الدعم السريع معسكرات جديدة في مناطق ملكن، أولو، والفوج داخل الأحراش الكثيفة جنوب الإقليم، ما يشير إلى محاولة لتأمين قاعدة خلفية للانطلاق نحو ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وربما التمدد لاحقًا نحو حدود إثيوبيا وجنوب السودان.
يرى مراقبون أن هذا التحالف يعكس محاولة لفتح جبهة جديدة بعد خسائر الدعم السريع في ولاية سنار، والتي أعلن الجيش السوداني استعادتها مؤخرًا، فيما يعزز وجود “توكا” العسكري والدعم اللوجستي من الجنوب مناورات الدعم السريع في هذا الإقليم الحساس.
رهيد النوبة: موقع استراتيجي وطريق إلى العاصمة
عودة قوات الدعم السريع إلى رهيد النوبة تُعد تطورًا ذا بعد استراتيجي، نظرًا لموقعها الحيوي على “طريق الصادرات” الذي يربط أم درمان بمدينة بارا، ويشكل ممرًا أساسياً للإمدادات العسكرية والتجارية في وسط السودان.
وكانت القوات المسلحة قد أعلنت مطلع يونيو استعادة السيطرة على رهيد النوبة، مما يشير إلى تبادل متكرر للسيطرة ومعارك كرّ وفرّ في هذه المنطقة المحورية.
وتُظهر الصور التي بثتها قوات الدعم السريع جنودها من داخل المنطقة، معلنين نيتهم مواصلة التقدم نحو العاصمة الخرطوم، في وقت يشير فيه مراقبون إلى هشاشة خطوط الدفاع في بعض المناطق المحيطة بالعاصمة، لا سيما من الجهة الغربية والشمالية الغربية.
جبهات متنقلة واستنزاف متواصل
تكشف هذه التحركات عن طبيعة المعارك المرنة والمتحركة التي باتت تُميز الصراع السوداني المستمر منذ أبريل 2023، إذ تسعى كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى فرض معادلات ميدانية جديدة عبر السيطرة على محاور طرق، نقاط إمداد، ومراكز مدنية ذات طابع عسكري.
ويشير مراقبون إلى أن المشهد مرشح لمزيد من التصعيد وتغير مواقع السيطرة خلال الأيام المقبلة، مع غياب أي اختراق سياسي أو تفاهم دائم على وقف لإطلاق النار، رغم الجهود الدولية المستمرة وآخرها الاجتماع المرتقب في بروكسل بين الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، والسعودية، ومصر، والولايات المتحدة، وبريطانيا.
في ظل هذه التطورات، يُرجّح أن يبقى الصراع مفتوحًا على احتمالات التوسع الجغرافي، والتحولات التكتيكية على الأرض، في وقت يواجه فيه المدنيون أوضاعًا إنسانية كارثية، في مناطق باتت مسرحًا يوميًا للمعارك والانتهاكات.

