في التاسع من يوليو 2025، وبعد أربعة عشر عاماً على انفصال جنوب السودان، يقف السودان مرة أخرى عند مفترق طرق حاد، يُنذر بتكرار سيناريو التشظي الجغرافي والسياسي، وسط حرب مفتوحة على الشرعية، وصراع عسكري مدمر، وتلاشي شبه كامل لدور الدولة المدنية الجامعة.
سلطتان في وطن واحد.. خطر الانقسام قائم:
تبدو معالم الانقسام أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبينما أعلنت قوات الدعم السريع عن تشكيل الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس” واستعدادها لإقامة حكومة أمر واقع، يتحرك الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مدعومًا بتحالف الإسلاميين، لتثبيت حكومة بورتسودان بوصفها الحكومة الشرعية المعترف بها مؤسساتيًا.
غير أن كلا الطرفين يسعى للهيمنة على السلطة من موقع عسكري لا يعكس الإرادة الشعبية، ما يضع وحدة السودان أمام اختبار حقيقي، ويحوّل شعارات الإنقاذ الوطني إلى أدوات للصراع.
“صمود”.. مبادرة مدنية في وجه العاصفة:
في ظل الاستقطاب الحاد، يبرز تحالف “صمود” المدني كمحاولة لتقديم رؤية ثالثة تنأى بنفسها عن الاصطفاف خلف أحد المعسكرين العسكريين. التحالف يسعى لتقديم خطاب عقلاني يستند إلى تطلعات السودانيين المنهكين من الحرب، لكن ضعف الحاضنة الشعبية، وتشرذم القوى المدنية، وهيمنة السلاح، تعيق تحوله إلى فاعل حقيقي في المعادلة السياسية.
ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل غامض:
وفقًا لتحليل مروان محمود، رئيس المكتب التنفيذي لقطاع جنوب الخرطوم، فإن السيناريو الأقرب على المدى القصير هو استمرار الحرب ووجود حكومتين متنازعتين، مع تفاقم الكارثة الإنسانية وتحلل الدولة المركزية.
ويحذر محمود من سيناريو يشبه “الصومال”، حيث تتحول الدولة إلى مناطق نفوذ قبلي ومليشياوي، في ظل انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية، مؤكدًا أن هذا السيناريو يحتاج لعقود لمعالجته.
أما السيناريو الثاني – الأقل سوءاً – فيتمثل في نموذج ليبيا: حكومتان متوازيتان، الأولى بقيادة الجيش في الوسط والشرق، والثانية بقيادة الدعم السريع في دارفور وكردفان، تستند إلى الدعم القبلي والمناطقي.
بينما يرى أن السيناريو الأفضل – وإن كان الأضعف – هو اتفاق سياسي جديد، برعاية وضمانات دولية، يعيد هيكلة الشراكة بين القوى المدنية والجيش والدعم السريع. لكنه يؤكد أن العقبة الرئيسية تكمن في رفض الإسلاميين لأي تسوية تُضعف سيطرتهم على مفاصل الدولة، نتيجة لمخاوف عميقة من الإقصاء والمحاسبة.
تخوين القوى المدنية وتشويه الوعي:
ينبّه محمود إلى أن الخطاب الشعبوي التضليلي الذي تتبناه قوى الإسلام السياسي هو ما يقف وراء تخوين القوى المدنية، مشيرًا إلى أن تفكيك هذا الخطاب يبدأ من إنهاء السيطرة الأحادية على السلطة في بورتسودان.
تاور: تكرار مأساة الجنوب بمشهد أكثر شمولاً:
من جانبه، يرى البروفيسور صديق تاور، القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي، أن السودان اليوم يعيش نسخة أعمق من سيناريو انفصال الجنوب، محذرًا من أن المشهد لن يقتصر على دارفور وكردفان، بل سيمتد إلى بقية الأقاليم، وينتج عن ذلك تفكك داخلي في كل ولاية ومنطقة.
وحمّل تاور الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المسؤولية عن ما يحدث، مشيرًا إلى أن الطرفين يدفعان نحو نموذج الاستقلال المناطقي والتحكم في الموارد، رغم استحالة السيطرة الكاملة بسبب تفشي المليشيات، وتضارب مصالحها.
المستقبل في مهب السلاح والجمود:
وبينما يرى البعض أن أسوأ السيناريوهات هو الجمود العسكري الطويل، بما يعنيه من استنزاف شامل ودفع لتدخل خارجي إجباري، يبرز آخرون مخاوفهم من أن يتحول السودان إلى ساحة لصراعات دولية وإقليمية مفتوحة، إذا فشل السودانيون في إنتاج حل وطني شامل.
خاتمة: المشهد غير مبشّر.. ولكن الأمل لم يمت:
السودان يقف على حافة هاوية، بين تفكك الدولة أو إنقاذها. قوتان عسكريتان تتنازعان السيادة، وقوى مدنية تبحث عن منفذ ضوء في نفق مظلم. المبادرات المدنية مثل “صمود” قد تشكل بصيص أمل، لكنها لن تثمر ما لم تُستثمر ضمن مشروع وطني جامع، يستعيد مدنية الدولة، ويعيد السلطة إلى الشعب.
وما لم يتفق السودانيون على حد أدنى من الرؤية المشتركة، سيظل الوطن رهين الدمار والتشظي، وذكرى انفصال الجنوب ستتحول من جرح إلى عدوى سياسية تهدد كل شبر من أرض السودان.

