بقلم: منعم سليمان
أمس، شاهدتُ مقطع فيديو لامرأةٍ مسنّة ترثي فيه حال السودان، وتتحسّر على ما آل إليه حال منطقتها: أم درمان. وفي خاتمة حديثها، ترحّمت على عهد المجرم عمر البشير. ولا ألومها؛ فهي امرأة بسيطة، كبيرة في السن، كأمهاتنا، لا تنتمي إلى عالم السياسة، ولا تدرك أن عبد الفتاح البرهان هو الابن الشرعي للبشير، ووريثه، وأن من قادوا السودان إلى هذا الخراب هم إخوة البشير، وأهله، وجماعته، وتنظيمه العسكري!
ومع ذلك، شعرتُ بها وبوجعها، لأن ما يحدث في السودان اليوم، لم يحدث حتى في أحلك عصور الديكتاتورية، ولا في أكثر لحظات الاستبداد سوادًا في أي مكان من هذا العالم.
تذكّرتُ بعدها قصة قديمة، لا أذكر أين سمعتُها أو قرأتُها، لكنها تقبع في قاع الذاكرة منذ زمن. تحكي عن لصٍ كان يختص بسرقة أكفان الموتى؛ يختبئ بين شواهد القبور، مترصّدًا أهل الميت حتى يُوارى في التراب، فينقضّ على الجثمان بخفة ومهارة، ينزع عنه الكفن، ثم يُعيد دفنه، ليذهب بالكفن إلى السوق ويبيعه. وبعدها، يعود إلى المقبرة في انتظار ميتٍ جديد.
هكذا عاش اللص المجرم، وهكذا مات.
لكن القصة لا تنتهي هناك. فقد خلّف اللص ابنًا وحيدًا، أطلق عليه أهل البلدة لقب “ولد لص الأكفان”. ومن فرط ما لحقه من احتقار وإهانة منهم، قرر أن يرث مهنة أبيه ويزيد عليها. وزاول المهنة، وسار على درب أبيه، وبدأ ينبش القبور، ولكنه لم يكن يعيد دفن الجثامين بعد تجريدها من أكفانها، بل كان يتركها عارية فوق القبر، مغروسًا في دُبرها وتدٌ غليظ.
منظرٌ بالغ القسوة والمهانة، جعل الناس يترحّمون على الأب، اللص القديم، ويصفونه بـ “اللص الرحيم”، لأنه، على الأقل، كان يُعيد دفن الموتى بعد سرقتهم، ولم يكن يتركهم مخوّزقين في العراء كما يفعل ابنه.
وهكذا حال السودان اليوم مع البرهان وكيزانه.
من يرى ما فعله ويفعله الآن عبد الفتاح وكتائبه وميليشياته الكيزانية – من سكان الخرطوم ومدن الشمال، كتلك المرأة المسنّة التي في الفيديو – لا بدّ أنه سيترحّم على عهد السفّاح البشير.
نعم، كان البشير قاتلًا، سفّاحًا يتلذذ بإراقة الدماء، يُبيد شعبه فرادى وجماعات بالسلاح، لكنه لم يكن يمارس إجرامه وسط المدن؛ إذ كان حيوانًا متوحشًا يختار فرائسه في الأنحاء القاصية، كما لم يكن يترك جثث ضحاياه في الطرقات، بل كان يحرقها ويجعلها رمادًا منثورًا، ولم يكن يتركها في شوارع المدن مخوّزقة بالأوتاد، كما يحدث الآن مع البرهان وكيزانه.
إنهم العسكر، وإنهم الكيزان دائماً ، وإنه الإنترنت… الإنترنت يا أمّاه.