في ظل الحرب الدائرة في السودان، تصاعدت حملات التحريض الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أبرزها حملة “بلّغ عن متعاون”، التي تحولت إلى أداة خطيرة تستهدف مدنيين أبرياء، وتُستخدم لتصفية الخصومات والوشايات، خارج أي إطار قانوني أو قضائي.
قصة عصام عبد الرحمن (اسم مستعار) تلخص المأساة. فبعد نجاته من الحرب في أم درمان، لجأ إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية، ليُعتقل هناك في مارس 2024، بتهمة غامضة: “إمداد الدعم السريع بالوقود”، استنادًا إلى وشاية إلكترونية لا تستند لأي دليل قانوني. ومنذ ذلك الحين، لا تعرف أسرته مصيره، ولم يُعرض على أي محكمة.
منصات مثل “بلّغ عن متعاون منطقتك” و”ود المصطفى” تنشر أسماء وصورًا لأشخاص، متهمة إياهم بالتعاون مع الدعم السريع، في ظل تصعيد غير مسبوق لخطاب الكراهية والتخوين. وبحسب مراقبين، تستهدف هذه الحملات طلابًا، نساء، وعائلات بأكملها، خصوصًا في مدن مثل عطبرة، الخرطوم، ومدني.
خبراء قانونيون وسياسيون حذّروا من خطورة هذه الحملات:
- د. إبراهيم كباشي اعتبرها نتيجة مباشرة لعسكرة المجتمع، حيث أصبحت الهوية الجغرافية والانطباعات الشخصية مبررًا كافيًا للاعتقال أو الإقصاء.
- المحامي محمد صلاح من “هيئة محامو الطوارئ”، أكد أن هذه الحملات تفتقد لأي سند قانوني، ولا تنطلق من مؤسسات الدولة، بل من مناصرين للجيش، وتُستغل للاعتقال والتصفية خارج القضاء.
- المحلل السياسي محمد تورشين حذر من أنها تهدد النسيج الاجتماعي، وتعزز الانقسامات القبلية، وتزيد من هشاشة الأمن المجتمعي.
وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، أصبحت هذه الحملات مرآة لانهيار منظومة العدالة في السودان، وتكشف كيف تُدار الحرب أحيانًا من خلال منشورات على “فيسبوك”، لا من ساحات القضاء.
دعوات عديدة خرجت مؤخرًا تطالب بوقف خطاب التحريض، وإعادة تفعيل دور المؤسسات العدلية، لضمان المحاكمات العادلة، وصون الحقوق الأساسية للمواطنين في مناطق النزاع.
نُشرت هذه المادة في إطار تعاون بين “سودانايل” ومنتدى الإعلام السوداني، لتسليط الضوء على حملات التحريض الرقمي وخطرها على السلم المجتمعي.

