ألقى تقرير ميداني الضوء على تصاعد الانفلات الأمني في العاصمة الخرطوم، حيث باتت المجموعات المسلحة المنتشرة في المدينة تمثل تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين، وسط غياب واضح لمؤسسات الدولة.
القصة بدأت بالنسبة لـ”بشير”، أحد سكان أم درمان شمالي الخرطوم، بعد تعرضه للضرب المبرح وكسر في يده على يد مجموعة مسلحة أوقفته “بطريقة مهينة”، بحسب وصفه. ولم تمضِ سوى أيام حتى تلقى خبر مقتل صديقه “حامد نبيل” على يد مسلحين بحي الحتانة أثناء مقاومته لمحاولة سرقة هاتفه.
وتتكرر مثل هذه الحوادث يوميًا، بحسب شهادات السكان، وسط انتشار كثيف لعناصر مسلحة ترتدي زي الجيش أو أزياء مدنية، بعضها يتبع لحركات دارفورية متحالفة مع الجيش، وأخرى تابعة لمجموعات إسلامية متطرفة مثل كتائب البراء.
ويرى مراقبون أن هذه الانتهاكات المؤسسية تعكس حالة من الانهيار الكامل للدولة، مع تحوُّل الخرطوم إلى ساحة صراع مفتوح بين أمراء الحرب. وفي هذا السياق، حذر الكاتب والباحث محمد منصور من أن تعدد مراكز القوة في العاصمة يُرسّخ حالة “فوضى منظمة” تُدار باسم السياسة ولكن جوهرها صراع على النفوذ.
وتزايد الجدل مؤخرًا بعد تقارير عن قرار بإخلاء العاصمة من المليشيات المسلحة خلال أسبوعين، مع إعلان بعض الحركات تنفيذ القرار، فيما حذّر ناشطون من أن بقاء أي قوة مسلحة داخل الخرطوم يمثل خداعًا سياسيًا.
في غضون ذلك، شهدت الأسابيع الأخيرة عودة نحو 400 ألف نازح إلى العاصمة، وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع أمني مرعب: جثث في الطرقات، أسواق منهوبة، و”أشباح” تحرس المدينة، بحسب وصف الباحث حسن عبد الرضي.
تقرير سابق للأمم المتحدة أكد على لسان خبرائها أن الخرطوم لن تكون صالحة لعودة وكالات الإغاثة قبل يناير 2026 حتى وإن توقفت الحرب، واصفًا المدينة بأنها “أصبحت خطرة للغاية”.
وفي ظل هذه المعطيات، تزداد المخاوف من أن تتحول الخرطوم إلى نموذج لفشل الدولة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإخلائها من كافة التشكيلات المسلحة وعودة سلطة الدولة القانونية بشكل كامل.

