تكشف شهادات نازحين من جنوب كردفان وغربها عن واقع إنساني صادم تتداخل فيه المجاعة مع التجنيد القسري، في ظل تصاعد المعارك وسيطرة قوات الدعم السريع على مناطق واسعة، خصوصًا بين النهود والأبيض. وتشير شهادات متطابقة إلى أن الغذاء تحوّل إلى أداة ابتزاز ومعيار للبقاء على قيد الحياة، حيث تُربط المساعدات بالتجنيد الإجباري داخل صفوف الجيش.
تقول نازحة من النهود، وصلت إلى قرية ود سلمان، إن قوات الدعم السريع نهبت منزلها وسيارتها ومدخراتها بالكامل، ولم يتبق لها سوى أطفالها وما تستطيع حمله من مأساة. وأشارت إلى أن 95% من سكان النهود فرّوا نحو القرى المجاورة، حيث الدواء والغذاء معدومان والأسعار باهظة، بينما تُباع المواد المنهوبة في الأسواق بأسعار لا يستطيع غالبية السكان تحملها.
في كادقلي، شهدت الأيام الأخيرة موجة نزوح ضخمة للشباب نحو مناطق الحركة الشعبية في الجنوب الشرقي، هربًا من التجنيد القسري. حيث قال محمد سيد، شاب في الـ21 من عمره، إن الخيارات محصورة بين القتال أو الموت جوعًا، فيما كشف التجاني محمد رقيق أنه جرى تجنيده مقابل 120 ألف جنيه فقط وجوالات من الذرة، بعد ربط المساعدات الغذائية بإرسال أفراد من كل أسرة للقتال.
من جهته، قال علي محمد علي، أحد المجندين الهاربين، إنه أُجبر على تنفيذ مهام استخباراتية، بما في ذلك جمع المعلومات ومراقبة المدنيين، مشيرًا إلى أن أي رفض للأوامر يُقابل بالضرب والتنكيل.
هذه الروايات تعكس أزمة مركبة يعيشها جنوب كردفان، حيث انهار النظام التعليمي، وغابت الخدمات، وأصبحت الأسرة رهينة لمقايضة الإغاثة بالتجنيد، وسط فوضى أمنية وسيطرة السلاح.
وبينما تستمر المعاناة، أطلقت الدكتورة حنان أبوالكل مبادرة مدنية بعنوان “سُنبلة الدلنج”، بهدف إنقاذ المحاصرين في المدينة. ودعت إلى إسقاط جوي عاجل للمساعدات الغذائية والدوائية، واستنفار لزراعة الأراضي القريبة، وتنسيق أوسع مع المنظمات الدولية.
وأكدت أبوالكل أن الوضع تجاوز مرحلة الإنذار، وأن مدينة الدلنج تعيش في عزلة خانقة منذ أكثر من عام، وسط نداءات متكررة من المجتمع المحلي لإنقاذ ما تبقى من السكان، خاصة الأطفال الذين يعانون من الهزال وسوء التغذية.
تحليل:
الوقائع التي تكشف عنها هذه الشهادات تُبرز تحول الحرب من معركة عسكرية إلى كارثة إنسانية ممنهجة، حيث يُستبدل الأمن بالابتزاز، والتعليم بالبندقية، والغذاء بالموت. وتؤكد التقارير أن ما يحدث في جنوب كردفان ليس مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل نمط قمعي ممنهج يُحوّل المجاعة إلى وسيلة لتجنيد المقاتلين بالقوة.

