أثار إعلان ميليشيا البراء، إحدى الجماعات المسلحة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في السودان، عن التخلي عن العمل العسكري والتحول إلى “المجال المدني”، موجة واسعة من التشكيك السياسي والحقوقي، خاصة في ظل سجل طويل من الانتهاكات الموثقة، وعلاقاتها الوثيقة بالنظام الإيراني.
وجاء في بيان نُسب إلى قائد الميليشيا أبو زيد طلحة، أن الجماعة قررت إيقاف جميع العمليات العسكرية فوراً، والمساهمة في عمليات إعادة الإعمار وخدمة المواطنين، زاعماً أن الخطوة تم تنسيقها مع قوات الحكومة في بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان، ضمن “خطة وطنية شاملة”.
لكن تحركات عسكرية موازية نفذتها عناصر الميليشيا في الخرطوم وأم درمان، بعد الإعلان مباشرة، أثارت الريبة والرفض، واعتبرها محللون مناورة سياسية لإضفاء شرعية مدنية على تنظيم يحمل طابعاً عقائدياً ومسلحاً.
الخبير السوداني في الجماعات المسلحة د. أبو العسل السيد، أكد في تصريح لـ”إرم نيوز” أن توقيت الإعلان “مريب”، مشيرًا إلى أنه محاولة لإعادة التموضع السياسي، في ظل تغيرات داخلية وخارجية تضيق الخناق على الميليشيا. وربط السيد بين التحوّل المفاجئ في خطاب البراء، والارتباك الإيراني بعد حرب يونيو الأخيرة، التي كشفت هشاشة الدعم اللوجستي والعسكري الإيراني لفصائل حليفة لها في المنطقة، وعلى رأسها ميليشيا البراء.
وأوضح السيد أن الجماعة، التي تأسست ضمن كتائب الظل التابعة للإخوان المسلمين في العام 1976، أعادت تشكيل نفسها على غرار “فيلق القدس” التابع لـالحرس الثوري الإيراني، وتغلغلت تدريجياً داخل مؤسسات الجيش السوداني، قبل أن تعود بقوة إلى الواجهة عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وسلط تقرير نشرته وسائل إعلام محلية الضوء على تورط الميليشيا في عمليات تصفية ميدانية بحق مدنيين، وتنفيذ هجمات عسكرية بدعم من قوات حكومة بورتسودان، ما يؤكد استمرارها في العمل المسلح رغم إعلانها التخلي عن السلاح.
من جهته، قال المحلل الإعلامي عمار سعيد، إن ما أعلنته ميليشيا البراء ليس إلا “تكتيكاً إعلامياً” لخداع المجتمع الدولي، وبعث رسائل موجهة للقوى الخارجية بأنها باتت تؤمن بالانتقال المدني، في حين أن الواقع الميداني يُكذب هذه الادعاءات.
وشدد سعيد على أن الجماعة تواجه غضباً شعبياً عارماً، بعد توثيق انتهاكات ترقى لجرائم ضد الإنسانية، مؤكداً أنها لا تزال تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والسلم المجتمعي، وتعمل ضمن أجندة أيديولوجية متطرفة مدعومة من طهران.
الجدير بالذكر أن قوات حكومة بورتسودان تواجه تراجعاً ميدانياً واضحاً، ما يدفعها للاعتماد على هذه الميليشيات، التي باتت تشكّل العمود الفقري للقوة القتالية في ظل انهيار كبير في بنية الجيش الرسمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن إعلان البراء يفتقد للمصداقية، ويُعد محاولة لشرعنة دور ميليشياوي خطير يسعى للاندماج في المسار السياسي عبر خطاب تصالحي لا يعكس واقعها على الأرض.

