أفرزت الحرب المدمّرة في السودان، التي دفعت بملايين السودانيين إلى النزوح نحو مصر، تحولًا عميقًا في العلاقات الشعبية بين البلدين، حيث شكّلت موجات اللجوء أداة غير مباشرة لإعادة بناء الصورة الذهنية لمصر داخل الوجدان السوداني، بعد سنوات من التوتر السياسي والدعائي الذي غذّته أنظمة سابقة.
وباتت مشاهد العودة الطوعية لآلاف السودانيين إلى بلادهم بعد نحو عامين ونصف من الإقامة في مصر، وقد رفعوا لافتات كُتب عليها “شكراً مصر”، تعبيراً حياً عن الامتنان الشعبي لما لاقوه من احتضان ومعاملة كريمة، خصوصاً في ظل انخراطهم التلقائي في المجتمع المصري دون حواجز قانونية أو عنصرية.
وبحسب محللين ومراكز أبحاث دولية، فقد أسهمت هذه المرحلة في كسر الصور النمطية المتبادلة بين شعبي وادي النيل، والتي طالما غذّتها الأزمات السياسية السابقة، مثل نزاع حلايب وشلاتين، أو الدور السلبي الذي لعبته جماعات الإسلام السياسي في تسويق العداء تجاه مصر خلال فترة حكم البشير.
الحكومة المصرية التقطت هذا التحول، فنظّمت رحلات مجانية للعودة، وأطلقت قطاراً أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لخدمة السودانيين الراغبين في العودة، بالتنسيق مع السفارة السودانية والمبادرات الأهلية، ما شكل نموذجاً للتعاون الرسمي والشعبي.
ورصدت وسائل الإعلام المصرية مشاهد التقدير والامتنان، في لحظة فارقة من العلاقات الشعبية بين الدولتين. واعتبر مراقبون أن هذه المشاعر العفوية تجاوزت تأثير الحملات العدائية السابقة، والتي سعت إلى زرع الكراهية بين الشعبين، خاصة من قبل قوى سياسية سودانية كانت ترى في مصر تهديدًا لمصالحها.
الخبير المصري في الشؤون الأفريقية رامي زهدي وصف هذا التحول بأنه “الجانب الإيجابي الوحيد للحرب”، موضحاً أن الاحتواء الشعبي المصري لعب دوراً حاسماً في تحسين الصورة الذهنية لمصر داخل السودان، مقابل فشل الدعاية العدائية في التأثير على الواقع الإنساني.
بدورها، أوضحت د. أماني الطويل من مركز الأهرام للدراسات، أن هذه التجربة تمثل فرصة لإعادة هندسة العلاقات المستقبلية على أساس التكامل والتعاون الثقافي والاقتصادي، داعية إلى حوار مفتوح بين النخب والمجتمع المدني لإرساء قواعد جديدة مستدامة.
من جانبه، قال القيادي السوداني نورالدين صلاح الدين إن العلاقات بين الشعبين تجاوزت الخلافات السياسية، مؤكدًا أن القاهرة تعاملت مع السودانيين كـ”ضيوف كرام” رغم ظروفها الاقتصادية الصعبة، ما يجعل من التجربة نموذجاً فريداً في التضامن الإقليمي.
وفي خضم المشهد الإنساني والسياسي المعقد، برزت مصر كطرف محوري في معادلة الحرب السودانية، تحاول الحفاظ على التوازن بين دورها الإنساني ودورها الاستراتيجي، في ظل قناعة بأن استقرار السودان ضرورة حيوية لأمنها القومي.

