بقلم: منعم سليمان
لا تصالح على الدم .. حتى بدم!
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأس،
أكل الرؤوس سواء؟
وهل تتساوى يد .. سيفها كان لك،
بيد سيفها أثكلك؟
أول ما وقعت عيني على صورة الموتور المليشياوي مهند الفضل، الرجل الثاني في مليشيا البراء بن مالك وقائد عملياتها، وجثته ممددة تحت عربة عسكرية مقلوبة عليه، غارقًا في دمائه بعد مقتله في معركة أم قعود بشمال ولاية كردفان أمس الأول، وجدت نفسي أتمتم بآية من آيات العاقبة التي تتردد في صفحات التاريخ كصدى بعيد: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ). صدق الله العظيم.
طوال يومين، وما برح إخوته الكيزان يملأون الآفاق بمراثٍ تكلله بأوهام “الاستشهاد” وخطب “البطولة” و”الجهاد”، كأنهم يشيّعون أحد أبطال حروب الاستقلال، لا قاتلًا رعديدًا من زمرة نهِمة إلى السلطة؛ قضى عمره مشهرًا بندقيته في وجوه الناس، فخر صريعًا ببندقية مثلها.
يرثونه على أنه من الشهداء، وما هو إلا سيف من سيوف الغدر التي أُشهرت في صدور شباب الثورة العزل يوم فض الاعتصام؛ أولئك الثوار الأبرار الذين بذلوا أعمارهم رخيصة في سبيل الحق، يبتغون حريتهم وصون كرامة أمتهم ووطنهم، فعرجت أرواحهم الطاهرة إلى مقامات الشهادة، ولا تزال سيرتهم العطرة ترفرف في الآفاق. أما قاتلهم هذا، الذي يريدون أن يكسوه مسوح الشهادة، فليس إلا كعاقر ناقة صالح، طمعًا في مكسب رخيص، لن تذكر سيرته إلا مثالًا للعظة ومثارًا للهلاك.
لا نشمت في موته؛ لا لأننا قديسون منزّهون، ولا لأن موته لا يستحق الشماتة، بل لأن الشماتة وسام لا يُعلّق إلا على صدور المنتصرين على عظيم، وهو تافه صغير، عاش صغير الغاية، ومات حقير المغزى.
وإن كان ثمة ما يُرثى، فهي أرواح الشباب المغرر بهم، الذين سيُساقون غدًا إلى حتفهم تحت ذات الشعارات الدينية الكاذبة، فيما تجار الدين يترقبون في الظل، يقتسمون الغنائم، وينتظرون أول سانحة للتفاوض مع أولئك الذين نعتوهم بالأمس خونة وكفارًا، طلبًا للعودة إلى حكم – قولًا واحدًا- لن يعودوا إليه مرة أخرى!
لا بطولة في موته، ولا معنى في رحيله، ولم يمت شهيدًا بل قُتل كما يُقتل الغزاة في صحارى التيه والضياع.
هو موت تافه لرجل تافه في معناه ومآله، لا يخلّف أثرًا إلا كما يترك الذباب والناموس على صفحة ماء راكد. وإن بكته الجماعة اليوم، فإنما تبكي نفسها فيه، وتبكي تقلص حلمها بالعودة إلى سلطانها المفقود!
لقد انتزع الإسلاميون من السودان زهرة أعوامه، وحولوه إلى مسرح للجراح. ولم يكن مهند هذا سوى سطر عابر في سفر الخراب الطويل. وإن بقي من ذكراه شيء، فليكن عبرة للأجيال: أن السيف لا يشيّد حكمًا ولا يقيم دولة عدل، وأن الكذب باسم الدين لا يورث إلا الخيبة، وأن الدين الحق هو الصدق والتعايش الحسن وإفشاء السلام والطعام بين الناس، وأن الكافر حقًا هو من يكفر بحرية الناس لا من يكفر بالله.
وإن من عاش بالسيف مات بالسيف.