بينما يحتدم الصراع في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصدر القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قرارات استثنائية أعادت تشكيل هرم القيادة العسكرية، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة لترسيخ نفوذه. لكن خلف هذه التغييرات يلوح سؤال جوهري: هل لمصر دور مباشر في إعادة هندسة المؤسسة العسكرية السودانية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية؟
دوافع القاهرة في دعم البرهان
يشير المحللون إلى أن دعم مصر للجيش السوداني يتجاوز حدود المساندة السياسية التقليدية، إذ يرتبط بمصالح استراتيجية كبرى:
- الأمن الحدودي: السودان يمثل عمقًا جغرافيًا لمصر، وأي انهيار أمني يفتح المجال أمام جماعات متطرفة أو شبكات تهريب.
- ملف مياه النيل: القاهرة تخشى من استغلال حالة الفوضى السودانية لإعادة رسم توازنات حوض النيل بما يضر بمصالحها المائية.
- الاستقرار السياسي الداخلي: تدرك القيادة المصرية أن انتقال عدوى الثورات أو الديمقراطية من السودان يشكل تهديدًا للنظام المصري الذي يستند إلى المؤسسة العسكرية.
بصمة القاهرة في قرارات البرهان
مصادر عسكرية سودانية تؤكد أن القاهرة تلعب دور “الظل” في توجيه البرهان:
- حثه على تحجيم نفوذ الإسلاميين داخل الجيش تحسبًا لمحاولاتهم استعادة السلطة.
- تشجيعه على إعادة الهيكلة الأخيرة كخطوة لإحكام السيطرة ومنع الانقسامات.
- الضغط عليه للتناغم مع المواقف الأمريكية، خصوصًا بعد إشارات واشنطن لاحتمال تصنيف الإسلاميين كجماعة إرهابية.
تحديات الإسلاميين والميليشيات
رغم قرارات البرهان، يبقى الخطر الأكبر في تعدد الميليشيات ذات المرجعية الإسلامية مثل:
- فيلق البراء بن مالك
- قوات العمل الخاص
- البنيان المرصوص
- درع السودان بقيادة كيكل
هذه التشكيلات باتت تنازع الجيش سيطرته على الأرض، ما يجعل أي عملية إعادة هيكلة غير مكتملة ما لم يتم تفكيك هذه القوى أو إخضاعها بشكل فعلي للجيش.
إشارات على التنسيق المصري
من أبرز المؤشرات على البعد المصري:
- تعيين الفريق محمد علي أحمد صبير رئيسًا لهيئة الاستخبارات العسكرية، وهي خطوة يُرجح أنها جاءت بالتنسيق مع المخابرات المصرية لضمان تبادل المعلومات حول تحركات الدعم السريع وحلفائه.
- إحالة قيادات بارزة يُشتبه في ولائها للإسلاميين، مع منحهم ترقيات رمزية لتخفيف التوتر.
- رسائل القاهرة للبرهان بضرورة تنظيف مكتبه من النفوذ الإسلامي قبل أي تسوية سياسية محتملة.
رؤية نقدية: “خدعة الجيش”
بينما يرى البعض أن البرهان يتحرر من قبضة الإسلاميين، يعتبر آخرون أن قراراته مجرد إعادة تدوير: إخراج للإسلاميين من الباب وإدخالهم من النافذة عبر دمج ميليشياتهم داخل الجيش تحت غطاء الشرعية.
الخلاصة
يبقى السؤال مطروحًا:
- هل ينجح التنسيق المصري–السوداني في تحصين البرهان من الانقسامات الداخلية وتأمين ظهره في مواجهة الدعم السريع؟
- أم أن إدخال عناصر إسلامية مقنّعة ضمن المؤسسة العسكرية سيحوّل الجيش إلى حقل ألغام داخلي يصعب ضبطه؟
في كل الأحوال، يبدو أن القاهرة تسعى إلى ضمان أن يكون السودان، وبالأخص جيشه، ذراعًا من أذرع استراتيجيتها الإقليمية، لكن مستقبل هذه السياسة سيظل رهنًا بقدرة البرهان على النجاة من صراعات الداخل وضغوط الخارج في آن واحد.

