كشفت وثيقة مسرّبة عن توقيع اتفاقية ثنائية بين السودان وإثيوبيا في 26 أكتوبر 2022 بشأن قواعد الملء الأول والتشغيل السنوي لـ سد النهضة، إلى جانب آليات تنسيق فني مع خزان الروصيرص السوداني. الاتفاقية، التي بقيت طي الكتمان لأكثر من عامين، تضمنت تفاصيل دقيقة حول إدارة المياه، تبادل البيانات، وضمان سلامة السد في حالات الطوارئ والجفاف، ما فتح الباب أمام جدل سياسي واسع بعد الإعلان عنها.
الوثيقة نصّت على إنشاء لجنة وزارية مشتركة تضم وزراء شؤون المياه في البلدين، إلى جانب لجنة فنية تتولى تنسيق العمليات التشغيلية وحل الخلافات. كما أقرت اجتماعات ربع سنوية لمراجعة البيانات التشغيلية ومتابعة تدفقات المياه، بما يضمن استقرار الإمدادات نحو السودان.
وبحسب الخطة، يبدأ الملء الأول عند منسوب 565 مترًا بتخزين 4.9 مليار متر مكعب، وصولًا إلى 600 متر بإجمالي 22.2 مليار متر مكعب، ثم إلى 625 مترًا بسعة 49.3 مليار متر مكعب، فيما يكتمل الامتلاء عند 640 مترًا بطاقة تخزين قصوى تبلغ 74 مليار متر مكعب.
الاتفاق مثّل السودان فيه وفد برئاسة البروفيسور سيف الدين حمد عبد الله، بينما وقع عن إثيوبيا السفير الدكتور سيلشي بيكيلي. ورغم حساسية الموضوع، لم تُصدر الحكومة السودانية بيانًا رسميًا حول الاتفاق، الأمر الذي أثار تساؤلات عن دوافع الإبقاء عليه في الظل، خصوصًا بعد أن أصدرت الآلية الرباعية (مصر، السودان، إثيوبيا، وإريتريا) بيانًا من القاهرة في 3 سبتمبر 2025، وصفت فيه سد النهضة بأنه مخالف للقانون الدولي ويهدد دولتي المصب.
الخبير القانوني الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان أكد عبر مقال بموقع “سودانايل” أن الاتفاق حظي بموافقة مجلس السيادة السوداني في اليوم التالي لتوقيعه، ومصادقة مجلس الوزراء الإثيوبي في 28 أكتوبر. لكنه وصف موقف الخرطوم بالمربك بعد مشاركتها في اجتماع القاهرة الأخير، معتبراً أن السودان يحاول إرضاء القاهرة وإخفاء الاتفاق في آن واحد.
يقع سد النهضة على بعد 15 كيلومترًا من الحدود السودانية وبسعة تخزين تفوق سبعة أضعاف خزان الروصيرص، ما يثير مخاوف استراتيجية بشأن سلامة أكثر من 20 مليون سوداني يعتمدون على مياه النيل الأزرق، الذي يغطي 70٪ من احتياجات الري في البلاد.
وبينما تمضي أديس أبابا في تشغيل السد كأكبر مشروع كهرومائي إفريقي بقدرة 6450 ميغاوات، يبقى السودان في موقف معقّد بين شراكة معلنة مع إثيوبيا وصمت أمام القاهرة، وسط غياب أي اتفاق قانوني ملزم بين الأطراف الثلاثة رغم أكثر من 14 عامًا من المفاوضات المتعثرة.

