تتجدد الاتهامات الموجهة إلى مصر بممارسة وصاية وهيمنة مقنّعة على السودان، في ظل استمرار الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، إذ يرى محللون أن القاهرة ما تزال تتعامل مع الخرطوم باعتبارها امتدادًا لمجالها الحيوي ومصدرًا استراتيجيًا للموارد، في نهج وُصف بأنه “ثابت في الوعي السياسي المصري منذ قرون”.
يقول المفكر والمحلل السياسي د. النور حمد إن “التدخل المصري في السودان ليس أمرًا طارئًا، بل سياسة راسخة منذ الغزو الخديوي عام 1821 الذي مثّل أول احتلال مباشر للسودان”، مضيفًا أن “مصر وقفت تاريخيًا ضد التجارب الديمقراطية السودانية ودعمت الانقلابات العسكرية حفاظًا على نفوذها الإقليمي”. ويرى حمد أن “الدعم المصري الحالي للفريق عبد الفتاح البرهان هو امتداد طبيعي لذلك الإرث التاريخي من التحكم في القرار السوداني”.
أما الباحث محمد الربيع فيوضح أن القاهرة تنظر إلى السودان “كعمق اقتصادي يمدها بالموارد الطبيعية”، مشيرًا إلى أن مصر اقتطعت من حصة السودان في مياه النيل خلال الحرب، كما تورطت – وفق تقارير – في تهريب كميات ضخمة من الذهب السوداني تجاوزت قيمتها تسعة مليارات دولار، ما انعكس – بحسبه – في “ارتفاع مفاجئ لاحتياطي الذهب المصري”.
من جانبه، يرى الصحفي والمحلل السياسي محمد شرف الدين أن “التدخل المصري المباشر في الشأن السوداني بدأ منذ انتخابات 1953، حين دعمت القاهرة الحزب الاتحادي الموالي لها”، مضيفًا أن “مصر صنعت نخبًا تابعة، وتغلغلت في الجيش والتعليم والثقافة، وواصلت لاحقًا دعم الأنظمة العسكرية المتعاقبة”. واتهم شرف الدين القاهرة بـ“تزويد الجيش السوداني بالأسلحة، بعضها محرم دوليًا، عبر قاعدة مروي الجوية”.
وفي سياق متصل، قالت الصحفية رشا عوض إن “مصر انخرطت بعمق في الحرب الجارية من خلال دعم الجيش السوداني سياسيًا وعسكريًا، والتنسيق مع قياداته لإقصاء القوى المدنية”. وأكدت أن “الطيران المصري شارك في عمليات قصف داخل السودان، وأن قوات الدعم السريع أسرت جنودًا مصريين وأسقطت طائرة تابعة للقوات المصرية”، معتبرة أن “تسهيل تهريب الذهب والمحاصيل الزراعية إلى مصر من قبل سلطات بورتسودان يعكس عمق التبعية الاقتصادية للنظام العسكري تجاه القاهرة”.
ويرى مراقبون أن مجمل هذه المعطيات تؤكد استمرار السياسة المصرية القائمة على الوصاية والتحكم في القرار السوداني، مشيرين إلى أن تحقيق الاستقرار في السودان لن يتم إلا عبر تحرير الإرادة الوطنية من أي نفوذ خارجي، وبناء علاقة جديدة تقوم على الندية والمصالح المشتركة بين الشعبين.

