في خطوة وُصفت بأنها تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قرارًا بإعفاء برعي الصديق علي أحمد من منصبه كمحافظ لبنك السودان المركزي، وتعيين آمنة ميرغني حسن التوم خلفًا له، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البنك المركزي.
ووفق مصادر مطلعة، فإن القرار جاء عقب خلاف حاد بين المحافظ المقال وعدد من الوزراء والمصدرين، إثر تمسكه بقرار احتكار بنك السودان لصادرات الذهب، تنفيذًا لتوصيات اللجنة الاقتصادية، وهو ما رفضه مصدّرو الذهب بشدة. وتشير المعلومات إلى أن المحافظ غادر الاجتماع مغاضبًا بعد دعم بعض الوزراء لموقف المصدرين، الأمر الذي عجّل بإقالته.
ويأتي القرار في وقتٍ يشهد فيه السودان تراجعًا حادًا في عائدات الصادر بسبب التهريب، رغم ارتفاع إنتاج الذهب إلى 53 طنًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بحسب تقرير الشركة السودانية للموارد المعدنية، التي أكدت أن حصيلة الصادر بلغت 909 ملايين دولار فقط، فيما ضاعت كميات كبيرة عبر التهريب إلى دول الجوار.
المحلل المالي أحمد بن عمر أوضح في حديث لـ”راديو دبنقا” أن الأزمة تعكس انقسامًا داخل الحكومة بين تيار متمسك بسياسات الاحتكار وتيار آخر يدعو إلى نهج أكثر مرونة وتنظيمًا. وأضاف أن إقالة المحافظ ربما تمثل محاولة من الحكومة لتخفيف التوتر مع شعبة مصدّري الذهب، مؤكدًا أن نجاح المحافظ الجديد مرهون ببناء الثقة بين الحكومة والمصدرين، وتبني سياسات نقدية واقعية تعيد العائدات إلى القنوات الرسمية.
من جانبه، وصف الخبير الاقتصادي د. محمد الناير معدلات الإنتاج الحالية بأنها “إيجابية نسبيًا”، لكنه أشار إلى أن العائدات المالية ما زالت ضعيفة بسبب استمرار التهريب وعدم وجود سوق منظم للذهب، داعيًا إلى إنشاء بورصة وطنية للذهب لتنظيم عمليات البيع والتداول، بدلاً من الاعتماد على قرارات مؤقتة لاحتكار الشراء.
ووفق التقرير الرسمي، بلغت إيرادات قطاع التعدين التقليدي أكثر من 300 مليار جنيه، بنسبة نمو غير مسبوقة بلغت 506% مقارنة بالعام الماضي، إلا أن العائدات الفعلية للدولة تظل محدودة نتيجة فقدان السيطرة على عمليات التعدين الأهلي التي ينتج عنها 80% من إجمالي الذهب السوداني.
ويرى محللون أن تعيين آمنة ميرغني يعكس رغبة القيادة في ضخ دماء جديدة في السياسة النقدية، خصوصًا مع تزايد الحديث عن انفتاح البنك على أسواق خليجية جديدة مثل السعودية وعُمان لتنظيم الصادرات وتحسين الجودة والعائدات.
ويُنتظر أن تضع المحافظ الجديدة خطة لإعادة هيكلة قطاع الذهب، ومراجعة آليات التسويق والشراء، إلى جانب تنسيق الجهود بين بنك السودان ووزارتي المالية والمعادن للحد من التهريب واستعادة الثقة في النظام المصرفي، وسط توقعات بأن يكون هذا الملف المحك الأول لاختبار قدرتها على إدارة واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في البلاد.

