تكشف التطوّرات العسكرية الأخيرة أنّ رفض الهدنة بواسطة الجيش لم يكن سوى خطوة بليدة مدفوعة بعقلٍ أيديولوجيّ مسعور، إذ أصرّت الجماعة الإرهابية (الكيزان)، الممسكة بمفاصل القرار داخل قيادة الجيش وسلطة بورتسودان، على الرفض مهما كلّف الأمر من نفطٍ وأرواحٍ وأرض.
الأعجب أنهم كانوا يعلمون – وكيف يجهلون حجم الخراب الذي صنعوه – أن الجيش أعجز من أن يحمي خطوط النار الممتدة من دارفور حتى قلب البلاد، لكنهم اختاروا مقامرة تحفظ نفوذهم على حساب البشر والجغرافيا.
وبدلاً من قبول هدنة تسبق معركة الفاشر، مارسوا تعنّتهم المعهود: خنق كل مسار سياسي يمكن أن يقصيهم، ولو أدى ذلك إلى تفجير البلاد بأكملها. فكانت النتيجة سقوط الفاشر، ثم سقوط بابنوسة، ولم تجد قوات الدعم السريع أمامها إلا فراغاً صنعه الكيزان، وباركه البرهان بعجزه وتردده.
لكن الضربة التي فضحت عجزهم وعرّت ضيق أفقهم كانت في هجليج، آخر شريان يضخ الحياة في جسدهم ويضخ الموت في جسد السودانيين. هناك تجلّى العناد السياسي في أقبح صوره؛ هروبٌ وارتباك وفقدانٌ لنفطٍ احتكروه لأنفسهم عقداً بعد عقد، بينما يتجرّع الشعب المرارة. وكل ذلك كان يمكن تفاديه بهدنة إنسانية تُجمّد خطوط النار وتفتح الطريق لمسار تفاوضي جاد.
بعد دخول الجيش الخرطوم وخروج الدعم السريع، سألتني مراسلة غربية إن كان ذلك بداية انتصارات الجيش. قلت لها: بل هو بداية حرب الدعم السريع؛ فقد عادوا إلى ملعبهم الحقيقي. الحرب تُحسم على الأرض، والدعم السريع كان هو قوات الجيش البرية، وهذه مواجهة بين الأرض والجو؛ فمن ينتصر؟ قالت: الأرض؛ القوات البرية.
أما خروج الدعم السريع من سنار ووسط السودان فلم يكن ثمرة معارك ميدانية، بل نتيجة ضربات جوية خارجية يعرفها الجميع – والشكر لمصر العربية وتركيا الأردوغانية – وأما خروجهم من الخرطوم فكان بالسلاح الكيماوي، وما ستكشفه لجان التحقيق الدولية كفيل بفضح الفاعلين مهما طال الزمن!
إن رفض التهدئة لم يكن دفاعاً عن الموقف الوطني والعسكري كما يدّعون، بل محاولة مريضة من تيارٍ يسعى لإبقاء قبضته على الدولة عبر إذكاء الحرب ومنع أي تسوية تعيد الجيش إلى وظيفته الوطنية.
لكن السهام ارتدت إلى صدورهم: الجيش خسر مواقع استراتيجية، والاقتصاد المنهوب انهار في آخر قلاعه، واتسعت رقعة الهزيمة حتى مناطق كانت في مأمن لولا شهيتهم السُّلطوية.
واليوم صار ثمن رفض الهدنة صارخاً: جغرافيا مهدورة، نفطٌ مفقود، شعبٌ منكوب، وسلطة بورتسودان عالقة في جدلٍ رخيص على طريقة كعك ماري أنطوانيت: هل كميل إدريس أفضل أم ميرغني إدريس؟! مقارنة تافهة لا تليق إلا بتافهين ينتميان إلى نفس الجذر العفن!
لقد انتهى زمن الأوهام: فلا نصر يلوح في الأفق، ولا برهان ولا كيزان قادرون على مواصلة حربٍ أو تحقيق انتصارٍ دون أن يدفع السودان كله الفاتورة.. ولا ذنب للسودانيين في دفع ثمن مرضهم المزمن بالسلطة.
على نفسها جنَت براقش، كما قالت العرب؛ *وعلى السودان جنَت زمرةٌ لا تشبعُ من الخراب لعنة أفعالها.