مِثل النهار الذي لا يحتاج وجودُه إلى دليل، تُسفر “حرب كرامة الكيزان” يوماً بعد يوم عن وجهها الحقيقي القاتل، الذي يماثل وجوه مُشعليها ونافخي كيرها دمامةً واكفهراراً.
يعي كل ذي بصيرة أن غاية هذه الحرب وسدرة منتهى أغراضها كانت التخلص من القوى المدنية والثورية، وكنس آثار ثورة ديسمبر التي هزت عرش طغيان الإسلامويين، وجعلتهم كالفئران المذعورة يخشون أن تتخطفهم مشانق العدالة؛ لذا عاودوا الكرّة بذات الجرائم، وذات التجارة الكاسدة مع الله والناس.
وفي الوقت الذي كان فيه الجيش يولي دبره عند كل معترك، والمواطن بين سندان “العمالة” ومطرقة “التعاون”، انشغل “الكيزان” باعتقال وتصفية الشرفاء من شباب الثورة في القرى والمدن، وإحلال لجانهم القديمة محل لجان الخدمات والتغيير، برغم اصطفاف المئات من أولئك الشباب مع الجيش وحملهم البنادق، وإشرافهم على “التكايا” وخدمة النازحين.
ومع حلول أول ذكرى لثورة ديسمبر، خرج عشرات الشباب في مناطق سيطرة الجيش إحياءً للذكرى وإبقاءً للفكرة، فكان الرد عنيفاً متعسفاً من شرطةٍ توارت حينما احتاجها المواطن، ومن منصات قضاءٍ فاسد ظل غطاءً للاستبداد ومشرعناً للطغيان والجريمة.
في الولاية الشمالية، وجهت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة ثلاث تهم تشمل: التعاون مع العدو، إثارة الحرب ضد الدولة، وتقويض النظام الدستوري، ضد شاب تظاهر وحيداً رغماً عن اتساق موقفه مع موقف الجيش في الحرب. نادى الشاب “منيب” بضرورة وجود جيش مهني واحد وحكومة مدنية، وهي مطالب يرجو تحقيقها كل سوداني اكتوى بنيران الحرب ويريد مستقبلاً أخضر لبلاده.
أولى التهم كانت “التعاون مع العدو”؛ فهل عرفتم ماهية العدو عند الكيزان؟ نعم، العدو ليس من يستولي على مقار الجيش والمدن والبلدات، بل العدو في عرفهم هو القوى المدنية الرافضة للحرب. قالتها من قبل القيادية سناء حمد: “نحن على استعداد للتفاوض مع الدعم السريع، أما قوى الحرية والتغيير فلا”. سناء التي تملك سلطة التحقيق مع قيادات الجيش، فهل من بعد قولها قول؟
إن التهم الثلاث التي وجهت لـ “منيب” ستوجه لغيره في أم درمان والقضارف وكل مدينة شهدت تظاهرة؛ فقد تكفلت الشرطة بالقبض عليهم بعد أن أمطرتهم بالغاز المسيل للدموع، بينما المجرمون والمطلوبون للعدالة فارون وأحرار طلقاء تحت حماية أجهزتهم القمعية.
هي الحرب كما علم الشعب السوداني وما سيعلم؛ حربٌ قُيّضت لتعيد للحركة الإسلامية ألقها – كما قال المتطرف عبد الحي يوسف في لحظة صدقٍ عابرة. فلا كرامة فيها إلا “للكيزان” الفارين في عواصم الدنيا، ليبقى الموت والخراب ما بقي “الكوز” في السلطة.

