تحقيق: تأسيس
منذ أن أطاحت ثورة ديسمبر بحكم عمر البشير في 11 أبريل 2019، ظن كثيرون أن السودان طوى صفحة حكم الإسلاميين. لكنّ ما جرى خلف الكواليس، كما يكشف هذا التحقيق، يرسم صورة مغايرة تماماً: شبكة متماسكة من الاجتماعات السرية، والتحالفات العسكرية، والتعبئة الدينية، نسجها رموز النظام السابق في الظل، حتى باتت شعلة الحرب الراهنة امتدادًا مباشراً لمشروعهم الخفي.
من الخرطوم إلى أطراف الدولة: خيوط الانبعاث السري
في مايو ويونيو 2019، لم تمضِ أسابيع قليلة على سقوط البشير، حتى بدأت قيادات حزب المؤتمر الوطني المنحل، مثل علي كرتي وإبراهيم محمود، في عقد اجتماعات أولية داخل منازل وفنادق صغيرة بأحياء الطائف والمهندسين بالخرطوم. كان الهدف رسم خريطة طريق لبقاء الحزب حيًّا في الظل، وتكليف لجان سرية بالتواصل مع القواعد الشعبية.
وفي سبتمبر من نفس العام، التأم أول مجلس شورى سري للحزب في منزل بحي الرياض، مستخدمًا تطبيقات مشفرة مثل زووم وتيليغرام. قرار الجلسة: لا قطع للتواصل مع الجيش والقبائل، وعدم الاستسلام لحظر الحزب.
تحالفات داخل الأجهزة العسكرية
بين ديسمبر 2019 ومارس 2020، انتقل التنسيق بين الإسلاميين وضباط الاستخبارات من التلميح إلى العلن. ففي فندق الميريديان بالخرطوم، جرى لقاء مع ضباط بارزين لبحث كيفية تعطيل الحكومة المدنية. وهو ما أكدته مذكرة مسربة من مكتب الدعم السريع تحدثت عن “تحديات مصنّعة” للحكومة الانتقالية.
في 12 يونيو 2020، وُثّق اجتماع مهم جمع كرتي ومحمود بضباط أمن لتفعيل الدعم داخل الأجهزة النظامية. أعضاء لجنة إزالة التمكين أكدوا لاحقاً أن الإسلاميين كانوا يعرفون بتحركاتهم مسبقاً، ويُخلون أماكن الاجتماعات قبل وصولهم.
انقسام داخلي لكن برؤية موحدة
بحلول نهاية 2020، تصاعدت الخلافات بين كتلة كرتي البراغماتية وكتلة محمود الأيديولوجية، ما أدى إلى لقاءات موازية في بحري وجنوب كردفان. ظهرت كتائب إلكترونية تلمّع كل فريق. في مارس 2021، أعلن محمود تشكيل لجنة تنسيق وسط الإسلاميين للضغط من أجل مؤتمر تأسيسي. كرتي رد بتجميد عضوية المعارضين.
الطريق إلى انقلاب 25 أكتوبر
ذروة التحضير كانت في لقاء 20 سبتمبر 2021، الذي جمع كرتي بالبرهان والعطا وجمال عبد المجيد في منزل بحي الرياض. بعدها بأيام، جرى اجتماع موسع في المهندسين شارك فيه رئيس الأركان محمد عثمان الحسين. وتم فيه وضع تفاصيل تقاسم السلطة بعد الانقلاب.
في أغسطس 2022، أطلق كرتي “التيار الإسلامي العريض” من شقة سرية في حي الرياض. وكان تنسيق الكتائب الإلكترونية مع ضباط موالين يتم عبر قنوات مشفّرة على تيليجرام.
من التنظير إلى الإمداد العسكري
في فبراير 2023، ظهر تسجيل صوتي لاجتماع بين نافع علي نافع وأحد كوادر الحزب، ينسق فتح خطوط إمداد عسكري ولوجستي، رغم أن نافع كان بسجن كوبر حينها. في مارس، أكدت تقارير أمريكية شحن عبد الباسط حمزة لأسلحة ثقيلة إلى أم درمان.
تعبئة دينية.. و”التمكين الثاني”
ما بين يناير ويونيو 2023، صدرت 120 فتوى دينية تحرّض على “الجهاد” ضد القوى المدنية، بحسب شبكة متابعة الخطاب الديني. ومع بداية الحرب في أبريل، كشفت وثائق عن تدخل قيادات إسلامية في خطط العمليات العسكرية رغم تحذيرات المخابرات.
في سبتمبر، بدأت “مبادرة إعادة تنظيم القيادة العسكرية” بقيادة ياسر العطا. أُقصي عشرات الضباط المحايدين، وعُين موالون للإسلاميين. وفي نوفمبر، أظهرت وثيقة من رئاسة الأركان تدخلاً صريحًا لقيادات إسلامية في مسار المعارك.
تمدد داخلي وتحالفات خارجية
في مايو 2023، عُقدت لقاءات في الأبيض وكادقلي لتشكيل ما يشبه كتائب ظل عسكرية في الأقاليم. وفي يناير 2024، التقى كرتي بشخصيات من الإخوان المسلمين في إسطنبول لبحث دعم إعلامي ومالي.
في نوفمبر 2024، تفجرت أزمة قيادية داخل الحزب المنحل بين أحمد هارون، بدعم كرتي، وإبراهيم محمود. لكن الأخطر كان اجتماع عطبرة الذي جمع البشير والبرهان ومخابرات الجيش لتأمين جبهة واحدة ضد الدعم السريع.
تحليل ختامي: “الظل” يُجهض الانتقال
يقول المحلل السياسي عثمان فضل الله إن الإسلاميين لم يغيبوا عن المشهد منذ سقوط البشير، بل استعادوا مواقعهم عبر الجيش والدعم السريع وجهاز الأمن. في يناير 2020، التقى البرهان بقيادات إسلامية في بيت الضيافة. وفي سبتمبر، جرى اجتماع آخر داخل مسجد الشهيد لتفعيل التعبئة العسكرية.
ويخلص فضل الله إلى أن انقلاب 25 أكتوبر لم يكن سوى تتويج لهذه التحركات. فمنذ الحرب، تعمل هذه الشبكة على فرض مشروع “التمكين الثاني” بإقصاء قوى الثورة واحتكار مفاصل الدولة.
خاتمة:
ما بدأ باجتماعات في الظل، تحول إلى شبكة تحالفات مسلحة ودعوية، أعادت الإسلاميين إلى قلب الدولة. أما السودان، فما زال يدفع الثمن: حرب طاحنة، انتقال معطل، وسيادة مخترقة من بوابة “نيران الظل”.

