تحقيق: عمار سعيد
دارفور – كردفان – يوليو 2025
“أنا كنت في ثالثة ثانوي في 2022، ولسه لحد الليلة ما قدرت أمتحن، لا في مدارس، لا في لجان، لا في حكومة بتسأل فينا.”
“هبة، طالبة من نيالا، جنوب دارفور”
التعليم كضحية صامتة:
في خضم الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، يعيش آلاف من طلاب وطالبات ولايات دارفور وكردفان واقعًا مأساويًا، إذ يُحرمون للعام الثالث تواليًا من حقهم في الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية، وسط غياب البنية التحتية، وانهيار المنظومة التعليمية، وغياب الدولة في هذه المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، بينما ترفض سلطة بورتسودان الاعتراف بطلاب هذه المناطق أو توفير أي ترتيبات بديلة.
الواقع بالأرقام:
160 ألف طالب وطالبة في دارفور وكردفان حُرموا من الجلوس للثانوية العامة منذ 2022.
3 سنوات بلا امتحانات في مناطق واسعة من غرب ووسط السودان.
%98 من المدارس في بعض محليات دارفور أصبحت خارج الخدمة (تقديرات منظمات غير حكومية).
أكثر من 350 مدرسة تضررت أو دُمرت كليًا أو جزئيًا بسبب القصف الجوي أو الاستهداف المباشر.
مدارس تحت القصف:
مع توسّع العمليات العسكرية، لم تسلم المؤسسات التعليمية من آلة الحرب. في نيالا، قُصفت مدارس عريقة مثل “مدرسة نيالا الثانوية “، وفي زالنجي وكبكابية وكرينك، تحوّلت عشرات المدارس إلى ثكنات أو مراكز لجوء، أو دُمّرت بالكامل.
“المدرسة بتاعتنا اتحولت لمستشفى ميداني، والكتب اتحرقت لما ضربوها بقذيفة في رمضان “، يقول الطالب آدم من زالنجي.
أصوات من الميدان:
هبة – 19 سنة – نيالا:
“كنت من الأوائل في مدرستي، حلمي أدخل جامعة الخرطوم وأقرأ طب. لكن من 2022 ما قدرت أمتحن، وكل سنة أجهز نفسي وبالآخر نسمع إنو ما في امتحانات لينا.”
حسن – ولي أمر طالبتين من غرب كردفان:
“عندي بنتين في ثانوي، جاهزات يمتحنوا. أرسلنا خطابات لإدارة التعليم في الأبيض، في بورتسودان، ما لقينا أي رد. أولاد دارفور وكردفان كأنهم ما سودانيين.”
أستاذ عبد الجبار – معلم سابق في كتم:
“من 2023 الحكومة ما بتصرف علينا، ما في مرتبات، ما في طباشير. وكل يوم بنحاول نفتح فصول مؤقتة تحت الأشجار أو في الخلا، لكن الطلاب بقوا يخافوا يجوا، عشان الطيران والقصف.”
تهميش ممنهج أم تجاهل مؤسسي؟
تشير تقارير من منظمات حقوقية إلى أن ما يجري في هذه الولايات ليس فقط نتيجة الحرب، بل هو جزء من *توجه سياسي ممنهج لإقصاء سكان الهامش* من فرص التعليم والحياة الكريمة، في ظل انقسام سياسي وإداري بين سلطتين متنازعتين، كلٌ يتجاهل مآسي السكان.
“وزارة التربية في بورتسودان لم تقم بأي ترتيبات للطلاب في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، بينما تُجرى امتحانات الشهادة في مناطق محدودة فقط تحت سيطرة الجيش”، تقول ناشطة تعليمية من منظمة محلية طلبت عدم ذكر اسمها.
مبادرات أهلية هشة وغياب حكومي كامل:
رغم المأساة، حاول بعض المعلمين والمتطوعين إطلاق مبادرات “تعليم الطوارئ” في معسكرات النازحين، لكنها تفتقر للكتب، المعينات، والاعتراف الرسمي.
في معسكر “أبشوك” في الفاشر، يجتمع أكثر من 100 طفل في ظل خيمة واحدة يتلقون دروسًا بدائية من معلم متطوع. لا شهادات، ولا مناهج واضحة.
ما هو الحل؟
(1) الاعتراف الرسمي من وزارة التربية بطلاب المناطق المحرومة، وتخصيص لجان امتحانات خاصة آمنة لهم.
(2) اعتماد التعليم الهجين (أونلاين + مراكز بديلة) بإشراف منظمات أممية.
(3) إعادة تأهيل المدارس عبر الدعم الدولي والإقليمي.
(4) دعم المعلمين برواتب وإعانات تضمن استمراريتهم في التعليم.
(5) إشراك المجتمعات المحلية والإدارات الأهلية في تنظيم العملية التعليمية مؤقتًا.
جيل ما بعد الحرب في الميزان:
تُهدد سنوات الحرب جيلًا كاملًا في دارفور وكردفان بالضياع، ليس فقط من حيث غياب التعليم، بل بفقدان الأمل، والانزلاق إلى دوائر الفقر والتطرف. هؤلاء الطلاب لا يحتاجون فقط إلى لجان امتحانات، بل إلى اعتراف بإنسانيتهم وحقهم في مستقبل أفضل.