ولو كان في هذا الكون من يستطيع الإفلات من قبضة جهاز كشف الكذب، لكان عبد الفتاح البرهان؛ فالرجل كذاب متمرّس في الكذب، يجيده كما يجيد التنفس، يكذب دون أن يحدث الكذب في نفسه أدنى تغييرات فسيولوجية، ودون أن يضطرب له نبض، فالكذب لديه فطرة، وُلِد معه ويموت عليه!
جاء خطابه أول أمس كما يليق به: متخماً بالافتراء، عامراً بالنكران، مترعاً بالحنين إلى السلطة. وأنا لست هنا لمناقشة نكرانه لعدم وجود إسلاميين في الجيش؛ فمجرد مناقشة هذا الوهم يمنحه شيئاً من المصداقية، والسؤال الخطأ يقود إلى الإجابة الخطأ.
والسؤال الصحيح هنا: هل يوجد غيرهم في قيادة الجيش أصلاً؟ هذا هو السؤال الأجدر أن يُطرح، لأن طرح السؤال عن وجود الإسلاميين في الجيش – كما قال صديقي- مثل أن يسأل أحدهم: هل يوجد شيوعيون في الحزب الشيوعي؟
فإذا لم تكن الأجهزة العسكرية والأمنية ساحاتهم ومواطن نفوذهم، فأين تراهم يكونون؟!
لكني هنا لأتوقف عند أكاذيب أكثر سفهاً، منها زعمه أن مسعد بولس، المبعوث الأمريكي، يحمل مبادرة تنادي بتقسيم السودان وحل الجيش!
وهنا يبلغ الرجل بالكذب أعاليه؛ فالذي يسعى لتمزيق السودان هو البرهان وإسلاميوه، وما يدل على ذلك موجود نصاً في البند (2 – أ) من خارطة طريقه التي قدّمها لمبعوث الأمم المتحدة، ذلك الجزائري السمين المتآمر، والتي تخرج دارفور – كاملة غير منقوصة – من خريطة السودان الحالية!
أما حل الجيش فلم يرد في أي قول أو كتاب للرباعية؛ لكن البرهان الولهان، كعاشق ذائب، يخاطب الحركة الإسلامية على طريقة “إياك أعني فاسمعي يا جارة”. فهو يقصد إبعاد الإسلاميين الذي طالبت به الرباعية، لا حل الجيش؛ وهذا ما يجرحه ويؤرقه، فيواريه تحت ركام الأكاذيب.
أما الكذبة الكبرى، فهي قوله إن الدكتور حمدوك لن يعود إلى السلطة ولا حتى إلى السودان.
وهو هنا لا يخاطب حمدوك في الحقيقة، بل يخاطب أشباح خوفه ورغباته المريضة. فحمدوك لا يبتغي سلطة، ولا أحد من قادة أو عضوية تحالف (صمود) منشغل بها؛ فهمهم جميعاً إيقاف الحرب وصناعة السلام.
ثم من هو ذاك المجنون الذي يضع اسمه الملطخ بالعمالة والدم والعار إلى جانب اسم وطني نقيّ المسيرة، مرفوع الرأس، طاهر اليد، كاسم الدكتور عبد الله حمدوك؟
وحده البرهان، ولا أحد غيره وغير كيزانه، من يلهث خلف الكرسي، ويشعل الحرب ويسيل الدماء، ثم ينصب لنفسه (تمثالاً) على جماجم ضحاياه!
والمفارقة أن هذا اليوم من شهر نوفمبر يصادف الذكرى الخامسة لحلم أبيه، يوم قال البرهان في مقابلة تلفزيونية إن والده رأى في منامه من يبشره بأن ابنه سيصير رئيساً للسودان. ومنذ ذلك الحلم، سالت دماء السودانيين أنهاراً.
ليت أباه لم يحلم، وليت أمه لم تلده!
هل الحياة طويلة إلى هذا الحد، ليشعل رجل يشارف السبعين حرباً تبتلع عشرات الآلاف من شعبه، وتشرد الملايين، وتدمر بلاده؛ من أجل أن يحكمها وجماعته؟
فماذا سيحكم إذن، وأين سيحكم؟
لقد كشفت التجارب كلها أن البرهان ليس فقط جباناً كما يردد البعض، بل إسلامي كامل الانتماء، وكوز مكتمل الصفات والجينات.
هذه هي الحقيقة التي سيكتشفها الناس ضحى الغد.
ومن يشك في ذلك، فليراجع مساره منذ مجزرة الاعتصام مروراً بهذه الحرب المدمرة التي خاضها ليعيدهم إلى الحكم، وحتى رفضه الحالي لأي مبادرة من شأنها أن توقف الحرب!
هل يتوهم هذا الحالم النزق أن العالم غبي كالدولة الكريهة التي يحلم ببنائها على جماجم السودانيين ليصدق توهماته وهرطقاته؟!