قراءة تحليلية في تطور العلاقة المصرية-السودانية من محمد علي باشا إلى حرب 15 أبريل 2023
مقدمة:
ظلت العلاقة بين مصر والسودان، عبر قرنين تقريبًا، محكومة بإرث ثقيل من الهيمنة والوصاية، أكثر من كونها شراكة ندّية بين دولتين مستقلتين. فمنذ حملة محمد علي باشا، تشكّل وعي سياسي مصري يرى السودان امتدادًا جغرافيًا وموردًا استراتيجيًا، لا شريكًا سياديًا كامل الحقوق. هذا الوعي—الذي تعزز خلال فترات الاستعمار والحكم العسكري—استمر بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا، وترك أثرًا مباشرًا في مسار الدولة السودانية واستقرارها السياسي.
من الغزو إلى الإدارة: تأسيس العلاقة غير المتكافئة:
أرسى مشروع محمد علي باشا نموذجًا للعلاقة يقوم على السيطرة المباشرة والاستغلال الاقتصادي والبشري، ثم أعادت الإدارة الثنائية (الإنجليزية-المصرية) إنتاج هذا النموذج بوسائل مؤسسية. وبالرغم من نهاية الاستعمار الرسمي، لم تُصفَّ هذه البنية الذهنية ولا شبكات النفوذ التي نشأت خلالها، بل انتقلت إلى مرحلة الدولة الوطنية في البلدين، لتُدار بآليات جديدة أقل فجاجة وأكثر تعقيدًا.
الدولة العميقة والانقلابات: تعطيل المسار المدني:
منذ استقلال السودان، تكرر نمط واحد: كلما اقترب السودانيون من بناء حكم مدني ديمقراطي، حضرت التدخلات الإقليمية—وفي مقدمتها المصرية—بصورة مباشرة أو غير مباشرة. دعم انقلاب عبود، ثم النميري، ثم العلاقة المبكرة مع انقلاب البشير، وصولًا إلى الموقف من انقلاب 25 أكتوبر، يكشف ثبات الرهان المصري على الحكم العسكري بوصفه الضامن الأيسر للمصالح، والأكثر قابلية للضبط والتحكم.
براغماتية بلا أيديولوجيا: مفارقة دعم الإسلاميين:
تبدو المفارقة صارخة حين يدعم النظام المصري—الذي يحارب الإسلاميين في الداخل—قوى إسلامية أو متحالفة معها في السودان. غير أن هذه المفارقة تتبدد عند فهم منطق المصالح: فالعلاقات الممتدة بين قيادات عسكرية وأمنية سودانية ونظرائهم في مصر، والمتجذرة منذ حقبة “قوة دفاع السودان”، جعلت الاعتبارات العرقية والجهوية وشبكات المصالح تتقدم على الأيديولوجيا. هنا، لا تُقاس الولاءات بالأفكار بقدر ما تُقاس بقابلية التبعية.
الأمن والمعلومات والسيادة المنقوصة:
تُثير إقامة قيادات أمنية سودانية سابقة في مصر، مع ما يحمله ذلك من نقل للمعرفة والبيانات، أسئلة جدية حول اختلال ميزان السيادة. كما أن ملف حلايب وشلاتين يظل شاهدًا على كلفة هذا الاختلال، حين تُدار الملفات الوطنية الحساسة خارج منطق الندية والتكافؤ.
حرب 15 أبريل: اختبار النيات وحدود الدور:
كشف الموقف المصري من حرب 15 أبريل 2023 عن انحياز واضح، أضعف ادعاءات الحياد وألقى بظلال كثيفة على دور القاهرة ضمن أي ترتيبات دولية. الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري واللوجستي—بغضّ النظر عن مآلات التحقيقات—أضرت بسمعة الوساطة، وفتحت الباب أمام مخاطر الانزلاق إلى تورط مباشر. التاريخ القريب يذكّر بأن المستنقعات الإقليمية لا تُدار بمنطق القوة وحده؛ وتجربة اليمن في ستينيات القرن الماضي ماثلة بما يكفي للتحذير.
ما بعد الوصاية: نحو شراكة عقلانية:
إن الرهان على سقوط طرف سوداني لصالح آخر، أو على إعادة إنتاج دولة تابعة، رهان قصير النظر. السودان اليوم ليس سودان 1888، ولا يمكن حكمه بذهنية الفتح أو الوصاية. المصلحة الحقيقية لمصر—كما للسودان—تكمن في شراكة قائمة على احترام السيادة، ودعم مسار مدني مستقر، وتعاون اقتصادي وأمني شفاف يحقق المنفعة المتبادلة.
على القيادة المصرية أن تعيد قراءة المشهد بعقلانية، بعيدًا عن إغراء المكاسب الآنية والرواسب التاريخية. فاستقرار السودان ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطًا لأمن الإقليم بأسره. وحدها العلاقة الندية—لا التبعية—قادرة على حفظ كرامة الشعبين وبناء مستقبل مشترك يتجاوز صراعات الماضي.
تعليق واحد
يجب على الشعب السوداني التلاحم مع بعض من أجل رسم خط مواجهة للوقوف ضد المشروعين الكيزاني و المصري للحفاظ على مكتسبات هذا الشعب و صون كرامته و حفظ أراضيه و التمسك بخيار الوحده و إنهاء الحرب