هل فعلاً تُريدُ مصر الخيرَ للبوّابين؟
صديقُنا الفنّان عبد العظيم الفنوب، الأمدرماني، وابن كبير مقدَّمي الشّيخ الجعلي في “كدباس”، خريج القانون من جامعة الاسكندريّة، كان يُردّد عبارةً مفتاحيّة، كلّما دار الحديث عن مصر والمصريين، في “منتدى أبناء أمدرمان”، بأنَّ للسُّودانيين مقولةً شائعة، تقول: “أحْمَرْ منّك..أعْرَفْ منّك”. وتعنى أنّه كلّما كان لونُ الشّخص أقرب إلى البياض منك، فإنّه – حتماً – سيكونُ متفوّقاً عليك في الفهم والمعرفة.
عبد العظيم الفنوب ضليعٌ، وحُجّةٌ في الأغنية السُّودانيّة. الحقيبة منها والحديثة. لطيف المعشر ودمث الأخلاق، فهو سّليل بيتٍ صوفي. وخبيرٌ في شأنِ القبائل، الثقافات والجغرافيا السُّودانيّة. فقد زارَ – تقريباً – كلَّ بقاع السُّودان، تاجراً. كما حامَ كثيراً في إفريقيا، آسيا، أوروبا، والولايات المتّحدة.
الواقعُ أنى – بحكم النّشأة في غرب السُّودان – أوّلَ مرّة أسمعُ فيها العبارة هذه. ربّما كانتْ شائعةً، فعلاً، في أواسط وشمال السُّودان. ذلك أنّه، حتّى بعدَ ضمّ الزبير باشا دارفور للحكم التركي، بعد معركة “مواشي”، ومقتل السُّلطان إبراهيم قرض، عام 1874م، لم تعرف دارفور “التُّركيّة” والمصريين، خلال العشرة أعوام، عمر انضمامها للسُّودان التركي، إلّا عبر “البوّابين”، فقد أرسلَ الحكمدار من الخرطوم، محمّد خالد زقل، حاكماً لها.
المهم..
العبارةُ (أحْمَرْ منّك..أعْرَفْ منّك) تبدو مفتاحيّة في فهم نفسية و وعى النُّخبة فى (القابليّة للاستتباع)، إذا جاز تحوير مقولة مالك بن نبيّ. وعلى الرّغم من الهزّة النّوعيّة التي أحدثها الإمام محمّد أحمد المهدىّ، في بنية وعى الاستتباع، هذه، إلّا أنّها سرعان ما عادتْ أشدَّ إذعاناً من قبلُ، من خلال التنازلات المخجلة التي قام بها نّظام الفريق إبراهيم عبّود، فيما يتعلّق بالسّدّ العالي، وبيع الحلفاويين وأراضيهم والمعالم الحضاريّة، بأبخس الأثمان، لأنَّ واحدةً من هموم خارجيّته كانتْ (إزالة الجفوة بين السُّودان ومصر)، والتي عمّقتها حكومةُ عبد الله خليل.
ثمَّ جاء النّميري منبطحاً، قبلَ أنْ يُطلَب إليه ذلك، كما فعل المك نمر مع إسماعيل باشا، بعد هزيمة الباشا للشّايقيّة في “كورتي”. فقد ذهب إليه – مبايعاً – في “بَرْبَرْ”، حاملاً إبريق الطّاعة، كما ذكر آلان مورهيد، فى كتابه (النّيل الأزرق).
شايف كيف؟
وعلى الرّغم من محاولات د. حسن التُّرابي تخليصَ الوعي الاستتباعي من تراثه البغيض، بالوقوف في نّديّة مع المصريين، من خلال رفضّ الوصاية السّياسيّة، وتفكيك “البعثة التّعليميّة المصريّة”، وأخذ جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وتحويلها إلى جامعة النّيلين، واستخطاط رؤية سودانيّة للتعامل مع الملفّات الخارجيّة، إلّا أنَّ “الوعى الاستتباعي” عادَ أدراجه إلى “البوّابين”، أكثر فتكاً، وأشدَّ ضراوةً مما كان. فصار مثلّث حلايب ضمن الخريطة المصريّة، دون أنْ يشعر الواحد منهم بذرّة خجل، وصولاً إلى التدخُّل السّافر في حرب 15 أبريل، ووضع خارطةٍ للعلاقات الإقليميّة والدّوليّة.
تتناسى ذاكرةُ البوّابين سخريّات مريرة من نجوم مصر، بعد هزيمة منتخبهم أمام الجزائر في الخرطوم. فردوس عبد الحميد، نموذجاً. قالتْ عن مطار الخرطوم (دول أوضتين وصالة..هوا دا مطار؟). ثمَّ السُّخريّات اللاذعة من الأهرامات، فى أعقاب محاولات الشّيخة موزة إحياء وإعلاء الحضارات السُّودانيّة. وقبلها سخريّات الإعلام عن (تهرير هلايب).
طبعاً ليس فى الإمكان إيراد الأدلة العميقة على استخفاف المصريين ب “البوّابين”. لكنَّ البوّابين يحبُّون أنْ يكونوا محطّ سخريّة، مكبّ نفايات للسيّد، لأنّه (أحمر منهم). ليس مهمّاً كيف يعامله السيّد، ليس مهمّاً كيف ينظرُ إليه. المهم أنْ يخطر، هو، ببال السيّد، كما قال ابن الدّمينة:
لئن سَاءني أنْ نلتني بمساءة * لقد سرّني أنّى خطرتُ ببالك
هل يملكُ التّابعُ سيادته؟ هل يملكُ قراره؟
قدّمتْ منظّمةٌ سودانيّة غيرُ حكوميّة شكوى لدى محكمة الجنايات الدّوليّة، تتّهم فيها دولة تشاد بضلوعها في حرب السُّودان. في بيانٍ للخارجيّة التشاديّة، ذكرتْ أنَّ تشاد تؤوى أكثر من مليون لاجئ سُّوداني، منذ بدء الحرب. تقدّم لهم الأمن والغذاء. لم تعرض الخارجيّة التشاديّة – ربّما تأدُّباً – لمسألة لجوء قوّات من الجيش السُّوداني إلى أراضيها، عبر معبر “أدرى”، حين طردها الدّعم السّريع.
بالطّبع لا يمكنُ لعيون البوّابين أنْ تنظرَ إلى دور تشاد. ذلك أنَّ الذين لجأوا إليها طوال سنوات الحرب، هم قبائل محدّدة: المساليت، الأرينقا، التّاما، والزّغاوة. مهما بلغ تعدادهم فهم ليسوا ضمن الحسبان. حتّى لو لجأ معهم السّلطان سعد بحر الدّين، شخصيّاً. لذلك فإنَّ تشاد لم تفعل شيئاً جيّداً ل (السُّودان)، حتّى ولو تقطّعتْ إرَباً. فالتّشادي ليس (أحمر منّك). في الواقع هو (أسود منّك)، وبالتّالي ليس محسوباً.
شايف كيف؟
المهم..
حين تصل القوّات البريّة إلى “سّرف عُمرَة”، في إطار الدّفاع المشترك، سيكونُ جيشُ البوّابين، قد دخلَ جميع دول الجوار، لاجئاً. وسيكونُ على مصر أنْ تبحثَ عن محمّد خالد زقل، جديد.