في دولٍ تحترم نفسها، تُخفي الحكومات فشلها، أو تحاول على الأقل تجميله بلغة دبلوماسية. أمّا في سلطة اللصوص ببورتسودان، فإن الفساد والفشل يُعلنان على الملأ، وبصوت وزير ماليتها نفسه، ومن دون أدنى إحساس بالحرج.
جبريل إبراهيم، وهو لص نهم في لصوصيته، خرج على الناس بابتسامته الباردة المعهودة، ليخبرهم أن سلطته لا تصدر رسميًا سوى 20 طنًا من أصل 70 طنًا من الذهب المنتج سنويًا، بينما تختفي الخمسون الأخرى في دروب التهريب!
خمسون طنًا من الذهب لا تضيع سهوًا، ولا تتبخر بفعل حرارة الطقس، بل تخرج محمولة على أكتاف شبكة منظمة من الحماية والتواطؤ، على رأسها سلطة تدّعي الحكم ووزير يعترف بالعجز وكأنه يعلن نشرة أحوال المناخ.
التهريب والسرقة في بورتسودان ليس جريمة، بل طبع وصنعة وسياسة سلطة!
انقلاب البرهان والكيزان في 25 أكتوبر 2021 لم يكن فقط انقلابًا سياسيًا، بل انقلاب لصوص بامتياز، وهو أكبر عملية سطو مسلح على مقدرات الشعب، تحولت فيها الدولة من كيان عام إلى غنيمة، ومن مؤسسات إلى مكاتب جباية.
الذهب، آخر ما تبقى للسودانيين في زمن الخراب، صار في عهد تحالف الكيزان والعسكر سلعة يتيمة، بلا حارس، بلا رقابة، بلا محاسبة، وبلا مسؤول يغضب لاختفائها!
لسنوات، كان اللصوص يحتمون بكذبة سافرة: “الإمارات تنهب ذهب السودان”. وحين سقطت الكذبة، وأُغلقت المنافذ، ظهر السارق بلا قناع. لم يعد هناك شماعة خارجية، بل اعتراف داخلي يخرج من أفواه المسؤولين أنفسهم.
السؤال المؤلم هنا هو: ماذا تفعل سلطة بورتسودان تحديداً؟ إن كان الذهب يُهرب، والعملة تنهار، والاقتصاد يتآكل، والجوع ينهش الأمعاء، فهل وظيفة جنرالات الهزيمة ووزراء سلطة الغنائم إصدار البيانات وإدارة الهزيمة بالأرقام؟!
إن غياب الرقابة والمحاسبة – ولا أقول الاستقالة – بعد كارثة كهذه يؤكد أننا لسنا أمام سلطة انقلابية تسعى للحكم، بل أمام عصابة وثلة من اللصوص والمنحرفين لا ترى في ضياع ثروة الأجيال سببًا كافياً للخجل أو الرحيل.
إن المشكلة اليوم ليست في المهربين الذين يعبرون الحدود، بل في المهرب الأكبر الذي يجلس على كرسي السلطة، يبتسم للكاميرات، ويحدثنا عن الثقوب في ميزانيته، بينما هو نفسه الثقب الذي يبتلع مستقبل السودان.
إنها سلطة تعرف السرقة ولا تعرف الخجل.