في وقت تتكاثر فيه المبادرات الهادفة إلى وضع حد للحرب السودانية، وآخرها ما يُعرف بالمسار التشاوري، يشير الواقع الميداني إلى مسار مغاير تماماً، حيث تتصاعد العمليات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع على أكثر من جبهة، دون حسم واضح لموازين القوة. هذا التناقض يطرح تساؤلاً محورياً: ما الذي أعاد الملف السوداني إلى صدارة الاهتمام الدولي في هذا التوقيت، وعلى رأسه الاهتمام الأميركي؟
الملف الإنساني في الواجهة
يرى محللون أن العامل الإنساني، بحجمه غير المسبوق، بات المحرك الأساسي لعودة السودان إلى أجندة المجتمع الدولي. ويقول الناشط في مجال حقوق الإنسان علي إبراهيم الخليل، في حديثه لـ«راينو»، إن مأساة النزوح لم تعد نتيجة جانبية للحرب، بل تحولت بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاعها، مع مطلع عام 2026، إلى عامل استراتيجي أعاد صياغة نظرة العالم للأزمة السودانية.
وأوضح الخليل أن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح قسري في العالم، حيث تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى وجود نحو 12.5 مليون نازح ولاجئ، من بينهم 9.5 مليون نازح داخلي موزعين على أكثر من 7 آلاف موقع في 18 ولاية، يعيش نحو 30% منهم في مراكز إيواء تفتقر للحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية. كما لجأ قرابة 3 ملايين سوداني إلى دول الجوار وخارج الإقليم، مما فرض ضغوطاً ديموغرافية واقتصادية كبيرة، خصوصاً على دول مثل تشاد التي استقبلت وحدها أكثر من 800 ألف لاجئ.
نهاية دولة 1956؟
في المقابل، تذهب تحليلات سياسية إلى أن الكارثة الإنسانية تمثل غطاءً لعملية أعمق تتعلق بتفكيك الدولة السودانية التي تأسست عام 1956. ويرى الناشط السياسي إيهاب محمد الحسن أن ما يجري يهدد مصالح قوى تاريخية داخلية وخارجية، ما دفعها إلى التحرك لإنقاذ نفوذها عبر تعدد المبادرات السياسية، بدوافع لا ترتبط بالبعد الإنساني بقدر ارتباطها بالحفاظ على السيطرة على الموارد والنفوذ.
مخاوف أمنية لا شفقة إنسانية
رغم تباين التفسيرات، يتفق مراقبون على أن النزوح بات يُنظر إليه دولياً كعامل عدم استقرار إقليمي. ويشير الخليل إلى أن تقارير برنامج الغذاء العالمي لم تعد مجرد نداءات إغاثية، بل تحذيرات أمنية، في ظل تصاعد الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. كما تعكس فجوة التمويل الإنساني، التي لم تتجاوز 45% من احتياجات عام 2025، تراجع الاهتمام السياسي مقابل أزمات دولية أخرى.
من جانبه، يؤكد الصادق علي حسن، رئيس مجلس أمناء هيئة محامي دارفور، أن ملف اللاجئين والنازحين أصبح من أقوى أوراق الضغط داخل أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ليس فقط لأبعاده الإنسانية، بل لارتباطه المباشر بملف الهجرة غير الشرعية الذي يمثل أولوية قصوى لدول الغرب.
بين السياسة والإنسان
وبينما تختلف القراءات حول دوافع التحرك الدولي، تبقى الحقيقة الثابتة، وفق كثيرين، أن استمرار النزوح والكارثة الإنسانية يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم: إما الاكتفاء بإدارة الأزمة عبر تدخلات إسعافية محدودة، أو الانتقال إلى ممارسة ضغط حقيقي لوقف الحرب ومعالجة جذورها. وفي ظل انسداد أفق التسوية، تظل ورقة النزوح هي الأثقل في ميزان الضغط، والصرخة التي تعيد السودان قسراً إلى دائرة الاهتمام الدولي، من بوابة الفاجعة لا الحسابات الدبلوماسية.

