نشر تأسيس نت نص الدراسة التي أعدها معهد “قيت ستون” الأميركي للدراسات الإستراتيجية، والتي تناولت علاقة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتنظيم الإخوان المسلمين، ودور التنظيم في الحرب الجارية بالسودان.
وأوضحت الدراسة أن تنظيم الإخوان يمثل العمود الفقري الأيديولوجي والتنظيمي للسلطة القائمة في بورتسودان، مشيرة إلى أن الحرب الحالية أتاحت للتنظيم العودة إلى مفاصل الدولة من “الباب الخلفي” تحت غطاء الدفاع الوطني.
وأكدت أن الميليشيات المرتبطة بالإخوان، وعلى رأسها كتيبة البراء وتشكيلات أخرى، تعمل بدعم عسكري ولوجستي رسمي، ما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين الجيش والجماعات الأيديولوجية المسلحة، محذرة من أن أي حديث عن سلام أو انتقال مدني سيظل غير قابل للتحقق ما لم تُكسر قبضة التنظيم على الجيش والدولة.
بقلم: روبرت ويليامز
(حرب السودان لها مركز ثقل واحد: جماعة الإخوان المسلمين خلف نظام البرهان)
منذ اندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023، لم يكتفِ الموالون لجماعة الإخوان المسلمين بدعم الجيش السوداني، بل اندمجوا داخل نواته العملياتية والاستخباراتية والسياسية. عملياً، أتاحت الحرب لمدافعي الإخوان العودة إلى الدولة من الباب الخلفي، تحت غطاء الدفاع الوطني.
سياسياً، عملت الأحزاب ووسائل الإعلام المحسوبة على الإخوان بقوة على تقويض جهود وقف إطلاق النار، ورفض التفاوض، ونزع الشرعية عن البدائل المدنية، عبر تصوير الحرب كصراع وجودي ضد “عملاء أجانب” و“أعداء الإسلام”. هذا الخطاب ليس عرضياً، بل يهدف إلى تبرير صراع مفتوح بلا نهاية، مع تقديم الإخوان كحليف حربي لا غنى عنه.
ورغم اختلاف الإخوان عن القاعدة أيديولوجياً، حيث تفضل القاعدة الكفاح المسلح بينما يفضل الإخوان التغلغل التدريجي والسيطرة السياسية، فقد التقوا تكتيكياً. شكّل السودان بيئة متساهلة سمحت للشبكات المتطرفة بالعمل بأقل قدر من القيود.
في ظل حكم تهيمن عليه جماعة الإخوان، استضاف السودان أسامة بن لادن من عام 1991 إلى 1996.
وتُظهر علاقة الإخوان بحركة حماس دورهم كمسهل إقليمي للحركات المسلحة.
بالنسبة لإيران، وفّر السودان امتداداً جغرافياً. وبالنسبة لأتباع الإخوان، وفّر الدعم الإيراني نفوذاً وموارد وحضوراً إقليمياً. أصبحت الأيديولوجيا مسألة ثانوية أمام الأعداء المشتركين والمنفعة المتبادلة.
الخلاصة أن جماعة الإخوان المسلمين ليست تأثيراً خارجياً على نظام البرهان، بل هي عموده الفقري الأيديولوجي والتنظيمي.
نظام مثل نظام السودان، المبني في جوهره على حركة لها سجل موثق في استضافة القاعدة، وتمويل حماس، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية، لا يصلح شريكاً موثوقاً للاستقرار.
لحرب السودان جبهات عديدة، لكن مركز ثقلها واحد. ما لم يُكسر قبضة متطرفي الإخوان على الدولة، سيظل السلام بعيد المنال، وستظل الفوضى سياسة قائمة.
وبأي معيار جاد، لا يعمل النظام العسكري السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان في عزلة. في قلبه قوة أيديولوجية وتنظيمية متجذرة بعمق: كوادر الإخوان المسلمين السودانيين.
بينما ركز الاهتمام الدولي على تصوير حرب السودان كصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، فإن هذا التصوير الثنائي يحجب واقعاً أكثر أهمية. الصراع هو أيضاً أحدث فصول مشروع الإخوان الممتد لعقود للهيمنة على الدولة السودانية، بالقوة عند الضرورة، وبالاختراق حين يكون ذلك ممكناً، وبالتحالفات الإقليمية حين تكون مفيدة.
الإخوان كوسيط قوة في زمن الحرب:
منذ اندلاع الحرب الشاملة في أبريل 2023، لم يكتفِ الموالون للإخوان بدعم الجيش، بل اندمجوا في قلبه العملياتي والاستخباراتي والسياسي.
حشدت شبكات مرتبطة بالإخوان آلاف الضباط السابقين في الاستخبارات، وكوادر إسلامية، ومحاربين قدامى من حملات جهادية سابقة للقتال إلى جانب القوات المسلحة. نُظمت هذه القوات في مليشيات ذات دوافع أيديولوجية، أبرزها كتيبة البراء بن مالك، إلى جانب تشكيلات مثل درع الوطن ودرع الشمال. ووفق تقارير موثقة، تلقت هذه الوحدات السلاح والتمويل والدعم اللوجستي عبر قنوات عسكرية رسمية، ما طمس الفاصل بين قوات الدولة والمليشيات الإسلامية.
سياسياً، عملت الأحزاب ووسائل الإعلام المحسوبة على الإخوان على تقويض وقف إطلاق النار ورفض التفاوض ونزع الشرعية عن البدائل المدنية، عبر تأطير الحرب كصراع وجودي ضد “عملاء أجانب” و“أعداء الإسلام”. الهدف تبرير حرب بلا نهاية وتكريس الإخوان كحليف لا بديل له.
كما أتاح إنشاء هياكل “المقاومة الشعبية”، التي أقرّتها قيادة البرهان، حاضنة مؤسسية جديدة لخطاب الإخوان بعد حل حزبهم الحاكم السابق. عملياً، سمحت الحرب بعودة الإخوان إلى مؤسسات الدولة من الباب الخلفي تحت ستار الدفاع الوطني.
نمط مُثبت: من القاعدة إلى الحاضر:
هذه الاستراتيجية ليست جديدة. وضع الإخوان اليوم في زمن الحرب يعكس سلوكهم في تسعينيات القرن الماضي، حين أصبح السودان أحد أهم مراكز الشبكات الجهادية العابرة للحدود.
في ظل حكم تهيمن عليه جماعة الإخوان، استضاف السودان أسامة بن لادن من 1991 إلى 1996، ووفّر له ملاذاً آمناً وفرصاً تجارية وحرية حركة. خلال تلك الفترة، أنشأت القاعدة بنية مالية وزراعية وتدريبية داخل السودان بغطاء من الدولة.
وكانت العواقب عالمية. ارتبط السودان لاحقاً بـ:
محاولة اغتيال الرئيس المصري في إثيوبيا عام 1995
تفجيرات السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998
الهجوم على المدمرة الأميركية يو إس إس كول عام 2000
وأدت هذه الروابط إلى إدراج السودان دولة راعية للإرهاب، وهو تصنيف استمر قرابة ثلاثة عقود.
ورغم الاختلاف الأيديولوجي بين الإخوان والقاعدة، فقد التقيا عملياً. شكّل السودان بيئة سمحت للشبكات المتطرفة بالعمل بحرية نسبية. الدرس واضح. حين يُمكَّن الإخوان داخل الدولة، فإنهم تاريخياً يتيحون المجال لقوى أشد تطرفاً.
حماس والتمويل وبنية العمل المسلح:
توضح علاقة الإخوان بحماس دورهم كمسهل إقليمي للحركات المسلحة.
منذ أوائل التسعينيات، استضاف السودان مكاتب حماس وكوادرها وأدواتها الاستثمارية. لعب زعيم الإخوان حسن الترابي دور الراعي السياسي والوسيط، وساعد حماس على ترسيخ مكانتها الإقليمية. بمرور الوقت، استفادت حماس من معاملة تفضيلية وإعفاءات ضريبية وتدفقات مالية غير مقيدة عبر شركات وجمعيات سودانية.
بعد سقوط عمر البشير عام 2019، فككت السلطات السودانية شبكة شركات مرتبطة بحماس، وصادرت عقارات وأراضي زراعية ومصانع ووسائل إعلام وشركات مالية قُدّرت قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات. وأكدت عقوبات أميركية لاحقاً تحويل نحو 20 مليون دولار إلى حماس عبر هذه الهياكل.
لم يكن السودان مجرد مركز مالي، بل ممرّاً لوجستياً.
إيران: تحالف براغماتي وعواقب استراتيجية:
على الرغم من الخلاف السني الشيعي، قامت علاقة الإخوان بإيران على البراغماتية الاستراتيجية. خدم السودان كنقطة عبور للأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حماس، خاصة بين عامي 2009 و2012. تحركت أسلحة مصدرها إيران وليبيا ما بعد القذافي عبر السودان نحو غزة، ما ساهم في شن إسرائيل ضربات على أهداف داخل السودان في تلك الفترة.
بالنسبة لإيران، وفّر السودان امتداداً جغرافياً. وبالنسبة للإخوان، وفّر الدعم الإيراني نفوذاً وموارد وحضوراً إقليمياً. أصبحت الأيديولوجيا ثانوية أمام المنفعة المتبادلة.
جوهر نظام البرهان:
تقود هذه الأنماط مجتمعة إلى نتيجة لا مفر منها. جماعة الإخوان المسلمين ليست تأثيراً خارجياً على نظام البرهان، بل هي عموده الفقري الأيديولوجي والتنظيمي.
يوفّر الإخوان:
مقاتلين ومليشيات تعزز القوات المسلحة
خبرات استخباراتية وأمنية داخل مؤسسات الدولة
تبريراً سياسياً لإطالة أمد الحرب
شبكات إقليمية قادرة على حشد التمويل والدعاية والدعم الخارجي
في المقابل، تمنح قيادة البرهان موالي الإخوان الشرعية والسلاح والوصول إلى الدولة، مكرّسة الصفقة نفسها التي أبقت الحكم الإسلامي قائماً في عهد عمر البشير.
تفسر هذه العلاقة فشل الضغوط الدولية المتكررة لدفع التفاوض. أي انتقال جاد إلى حكم مدني سيقوض قوة الإخوان المعاد تشكيلها، وهو ما لا يستطيع النظام الحالي تحمله.
لماذا يهم هذا الولايات المتحدة:
بالنسبة لصناع القرار في الولايات المتحدة، لا يمكن حل أزمة السودان بالتركيز على الأشخاص أو ديناميات الميدان فقط. يجب مواجهة الدور البنيوي لجماعة الإخوان المسلمين.
نظام يقوم جوهره على حركة لها سجل موثق في استضافة القاعدة، وتمويل حماس، والتعاون مع إيران، وتقويض التحولات الديمقراطية، لا يصلح شريكاً موثوقاً للاستقرار.
تجاهل هذه الحقيقة يهدد بتكرار أخطاء التسعينيات، حين عومل السودان كدولة تقليدية، بينما كان يحتضن شبكات زعزعت الاستقرار لاحقاً وهددت المصالح الأميركية.
لحرب السودان جبهات عديدة، لكن مركز ثقلها واحد. ما لم تُكسر قبضة متطرفي الإخوان على الدولة، سيظل السلام بعيد المنال، وستظل الفوضى سياسة قائمة.

