يدخل السودان مرحلة جديدة من الانسداد السياسي، بعد أن قطع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان الطريق على خطة التهدئة التي طرحتها الإدارة الأميركية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنقاذ مسار سلام يتآكل يوماً بعد آخر، وسط حرب مدمّرة وانهيار إنساني متسارع.
في هذا السياق، قدّم عضو الهيئة القيادية في تحالف تأسيس السوداني، النور حمد، قراءة نقدية لمسار الأزمة، خلال حديثه إلى برنامج “غرفة الأخبار” على سكاي نيوز عربية، معتبراً أن البرهان لم يُبدِ في أي مرحلة رغبة حقيقية في السلام، وأن كل جولات التفاوض السابقة لم تكن سوى محاولات للالتفاف على استحقاقات الحل السياسي.
مسار تفاوضي بلا نية سلام
يرى حمد أن تتبع مسار التدخلات الخارجية، منذ تشكيل الرباعية الدولية، مروراً بجولات جدة و**المنامة** و**جنيف**، يكشف ثبات موقف البرهان وقيادة الجيش، التي يتهمها بالتنصل المستمر من أي استجابة جادة للكارثة الإنسانية التي يعيشها السودانيون منذ اندلاع الحرب.
ويشير إلى أن مبادئ الرباعية نصّت منذ البداية على هدنة تمتد ثلاثة أشهر، تمهيداً لمسار سياسي لاحق، غير أن البرهان – بحسب حمد – تجاهل تلك الدعوات، ورفض الانخراط في أي مسار يمكن أن يفتح الباب أمام وقف إطلاق النار ومعالجة المأساة الإنسانية.
خطاب المنتصر وواقع الميدان
ينتقد حمد خطاب البرهان المتكرر بشأن “تحرير كل الأراضي السودانية من بورتسودان إلى الجنينة”، واصفاً إياه بخطاب المنتصر المنفصل عن الواقع الميداني. ويؤكد أن نصف البلاد، وفق تقديره، بات تحت سيطرة تحالف تأسيس، فيما لم يتبقَّ للجيش سوى جيوب محدودة في الأبيض و**الدلنج** و**كادقلي**.
ويعتبر أن مطالبة البرهان خصومه بإلقاء السلاح والتوجه إلى معسكرات خارج البلاد تمهيداً لنزع السلاح والدمج والتسريح تعكس إنكاراً لموازين القوى على الأرض، ومقاربة غير واقعية تعمّق الانسداد السياسي.
الإخوان والجيش: عقلية لا تفاوض
يذهب النور حمد إلى تحميل المجتمع الدولي مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبراً أنه تعامل طيلة 35 عاماً مع تنظيم الإخوان المسلمين في السودان بتهاون، من دون إدراك لطبيعة عقلية “غير تصالحية” لا تؤمن بالشراكة ولا بالتسويات، بل بفرض الأمر الواقع.
ويرى أن الرباعية كان ينبغي أن تمارس ضغطاً صارماً على الجيش، مذكّراً بأن هذه القوى ظلت معزولة دولياً لسنوات طويلة من دون أن تغيّر سلوكها، ما يعكس – برأيه – عدم إيمانها بالتفاوض بقدر إيمانها بقدرتها على فرض إرادتها بالقوة.
خطة بولس بين المبادئ والرفض
ويتوقف حمد عند خطة المبعوث الأميركي مسعد بولس، التي تضمنت هدنة لثلاثة أشهر تعقبها تسعة أشهر لعملية سياسية تُبعد المؤسسة العسكرية عن السلطة والاقتصاد، وصولاً إلى حكم مدني كامل. غير أن البرهان – بحسب حمد – رفض هذا المسار علناً، نافياً الالتزام بأي هدنة، ومؤكداً المضي في الخيار العسكري ومنع عودة المدنيين إلى السلطة.
ويخلص حمد إلى أن هذا الموقف يعكس تمسكاً ببقاء سلطة الإخوان كـ“أمر واقع”، ما يعني عملياً إغلاق الباب أمام أي تسوية سياسية في المدى المنظور، وترك السودان رهينة لحرب مفتوحة وانسداد سياسي مرشح لمزيد من التعقيد.

