منذ استقلال السودان في عام 1956، ظل الشارع السوداني يدور في حلقة مفرغة من اتفاقيات سلام تولد وفي أحشائها بذور الفناء. اتفاقيات “نخبوية” لم تلامس يوماً جذور القضايا الأساسية، بل كانت مسكنات مؤقتة انتهت بانهيارات كارثية، كان أقساها بتر جزء أصيل من جسد الوطن في انفصال الجنوب. لكن اليوم، ومع تصدر عبارة الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام والتأسيس: “الموضوع دا بختلف”، يبدو أننا أمام نهج سياسي يسعى لكسر هذه الحلقة المفرغة نهائياً.
- والسؤال لماذا “بختلف” هذه المرة؟
إن إصرار رئيس المجلس الرئاسي على هذه العبارة ليس مجرد شعار سياسي، بل هو تشخيص دقيق لأزمة الحكم في السودان. فالمشكلة التاريخية تكمن في “النخبة الحاكمة” التي تمترست في مركز محدد، واستخدمت سياسة “فرق تسد” لضرب المكونات الاجتماعية ببعضها البعض، متهربةً من استحقاق الدستور الدائم الذي يضمن الحقوق والعدالة الديمقراطية لكل أقاليم السودان. - إرث “الإنقاذ”.. السرطان الذي نهش جسد الدولة
لقد جاء نظام “الإنقاذ” ليمارس أسوأ أنواع التدمير الممنهج؛ فلم يكتف بالمحسوبية، بل هتك النسيج الاجتماعي بصورة غير مسبوقة. تغلغل النظام البائد كالسرطان في مفاصل الدولة، فسيطر على القوات النظامية، وأفرغ الخدمة المدنية من كوادرها المؤهلة ليحل محلهم “أهل الثقة ” بلا خبرة، مما أدى لخراب الاقتصاد وتدمير الصحة والتعليم.
والأدهى من ذلك، هو تحويل المجتمع السوداني من التنوع الطبقي إلى ثنائية مريرة: “غنى فاحش” للمنسوبين له، و“فقر مدقع” للأغلبية الساحقة، تحت غطاء ديني مشوه استخدمه “الإخوان” لخدمة مصالحهم التنظيمية فقط. - أعمدة التأسيس الجديد: دستور، ديمقراطية، وهيكلة
عندما يقول رئيس المجلس الرئاسي “الموضوع دا بختلف”، فهو يضع شروطاً غير قابلة للتفاوض لضمان استدامة السلام، تتلخص في:
دستور دائم وحكم ديمقراطي علماني: يقطع الطريق أمام المتاجرة بالدين التي شوهها “الإخوان”، ويضمن وقوف الدولة على مسافة واحدة من الجميع.
الفيدرالية الحقيقية: أن يحكم كل إقليم نفسه بنفسه، ويدير موارده وفقاً لاحتياجاته بعيداً عن تغول المركز.
إعادة هيكلة القوات النظامية: بناء جيش وشرطة وأمن يعبر عن “تنوع السودان”، بحيث يجد كل إقليم نفسه ممثلاً حسب الثقل السكاني، لتتحول من أدوات قمع للنظام إلى حامية للوطن.
العزل السياسي الشامل: إبعاد المجموعات الإسلامية التي أحرقت البلاد عن مفاصل القرار نهائياً، ليعودوا مواطنين عاديين دون امتيازات السلطة التي أساؤوا استخدامها. - الهوية الأفريقية الواضحة
إن هذا التوجه لا يسعى فقط لإنهاء الحرب، بل يهدف لإعادة تعريف “الهوية السودانية الأفريقية” بصورة واضحة لا لبس فيها. هو مشروع يعترف بالواقع الجغرافي والثقافي للسودان، ويؤسس لسلام لا ينهار بمجرد جفاف حبر التوقيعات.
أخيراً ”الموضوع دا بختلف” لأن الرهان هذه المرة ليس على تقاسم الكراسي، بل على تأسيس الدولة. إنها رحلة البحث عن السلام “أينما كان ومهما كلف”، من أجل إنسان السودان الذي عانى لسبعة عقود. هي دعوة لإعادة الموارد لأصحابها، والسلطة للشعب، والهيبة للوطن.

