أوريك؟
فى 2020م كنتُ مديراً للبرامج فى قناة سودانيّة 24. تلقّيتُ اتّصالاً من الاستخبارت العسكريّة، وحدة الحرب النّفسيّة. كانت ثورة ديسمبر “ملهلبة”، مثل فتاة عشرينيّة تظنُّ أنّها تستطيعُ أنْ تصرعَ أىّ أحدٍ، تتحكّم فى كل شيئ، وأنَّ الكونَ مفتونٌ بجمالها. يتصبّاها، ولا يكادُ يعيشُ من دونها، والغوانى يغرُّهنَّ الثناءُ، كما قال الشّاعرُ العربىّ.
“وحدة الحربُ النّفسيّة” تطلبُ اجتماعاً مهمّاً.
حسناً..لنرَ ماذا تُريدُ الاستخبارتُ العسكريّة. اقترحَ الضّابط – لحساسيّة الموضوع – أنْ يكون الاجتماعُ بمكتبه، بالقيادة العامّة. وافقتُ. وأنا قادمٌ، صباحاً، من أمدرمان، سأعرّجُ عليك. قلتُ ذلك.
صباحاً دخلتُ القيادة. كان اسمى موضوعاً على اللائحة، وسيادة المقدّم، ينتظرُنى فى الفناء.
أخذَ وقتاً يشرحُ لى ماهى الحربُ النّفسيّة. كيف تتداخلُ قضايا الأمن القومىّ، وكيف تتعاملُ الاستخباراتُ العسكريّة مع المهدّدات. خلُصَ إلى أنّهم بصدد إنتاج برنامج تلفزيونىّ هادفٍ، وأنَّ اختيارهم وقع على سودانيّة 24.
حسناً..
الخلفية الكيزانيّة، وكونى كنتُ مديراً للإدارة السياسيّة بالتلفزيون القومىّ، وبناءً على توصية رئيسه المباشر، سيادة العقيد، الذى جمعتنى به علاقاتُ عمل وتفاصيل كثيرة، اطمأنَ المقدّم، وشرحَ لى ما هى التهديداتُ التى جعلتِ الحرب النّفسيّة تفكّر فى انتاج برنامجٍ تلفزيونىّ.
فما هى تلك التهديدات؟
كنتُ واقعاً فى الاندهاش، والله على ما أقول شهيد.
اندهاش.
“مالِكْ والارض عطشانى..
والسما شالْ دعاشْ،
بيناتِنْ وقفْ إنسانى..
مليان اندهاش،
يا روحى”
كما غنّى محمّد النّصرى.
سببُ الاندهاش هو أنَّ التّهديداتُ كانتْ شباب الثورة. المصرّون على المواكب والتتريس والمصعّدون إلى “مدنيّة كاملة الدّسم”. شرح، سيادتُه كيف أنَّ هناك أجنداتٍ خارجيّة تتغلغل وسط الأهداف المشرعة، التى تتسامقُ إليها هممُ الشّباب. وليس كلُّ ما تراه هو الحقيقة. هؤلاء الشّباب لا يعرفون شيئاً عن العالم. يخطّط لأنْ تعمل وحدة الحرب النّفسيّة على مكافحتهم. عن الدورات التى تلقوها، داخل وخارج السُّودان لمواجهة مثل هذه التهديدات.
خرجتُ.
وعدتُه خيراً. هناك عدّة جاهزة للتخلّص. مثل أنْ تقول إنّ الدورة البرامجيّة الحالية على وشك أنْ تبدأ، وسندرج مقترحك للإجازة.
شايف كيف؟
صرتُ أتجاهلُ اتّصالات الضّابط ورئيسه المباشر، حتّى تمَّ اعفائى من إدارة البرامج، فلم أُعمّر فيها طويلا. كان ردّى – بعد إعفائى – أنَّ عليهم أنْ يتواصلوا مع مدير البرامج الجديد.
بعد ذلك بسنواتٍ، التقيتُ – صدفةً – بضابط برتبة اللواء، ويحملُ شهادة الدّكتوراة. حكى أنَّ هناك متخصّصين فى “السيناريوهات” فى الجيش. وأنَّ من ضمن السيناريوهات التى كانتْ موضوعةً لفضّ اعتصام القيادة، كان سيناريو أغراق ميدان الاعتصام بمياه الصّرف الصّحىّ.
قال، متأكّداً من فعالية ذلك السيناريو، وكلفته الضئيلة (الاولاد والبنات السّمحين وممسّحين ديل، لو مياه الصّرف الصّحى دى جات لحدى سيقانهم، كلّهم ح يمشوا).
لكنَّ القيادة رفضتْ الصّرف الصّحىّ.
شايف كيف؟
هل سمعت ب “استخبارات القبائل”؟
سأحدّثك عنها.
أصبر بس.

