أثارت مبادرة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان لإطلاق حوار سياسي شامل جدلاً واسعاً بين القوى المدنية والسياسية، وسط تشكيك في قدرة المبادرة على تحقيق السلام، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتفاقم الأزمة الإنسانية وغياب اتفاق واضح لوقف إطلاق النار.
وكان البرهان قد أعلن موافقته على مبادرة تقدمت بها مجموعة وصفها بـ«الوطنية والمستقلة» لتهيئة حوار سوداني شامل، متعهداً بتوفير الضمانات القانونية والسياسية والأمنية للمشاركين، ومؤكداً أن الدولة لن تتدخل في تحديد أطراف الحوار أو أجندته أو مخرجاته.
لكن منتقدي المبادرة يرون أن هذه التعهدات تصطدم بواقع سياسي وأمني تسيطر فيه السلطة العسكرية على مناطق انعقاد الحوار، بينما يواصل الجيش عملياته ضد قوات الدعم السريع، بالتوازي مع خطوات لإعادة تشكيل مؤسسات الحكم واستقطاب القوى المؤيدة له.
ويرى معارضون أن الجمع بين الدعوة إلى الحوار والتمسك بالحسم العسكري يطرح تساؤلات بشأن الهدف الحقيقي من المبادرة: هل تمثل مدخلاً لوقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، أم محاولة لمنح السلطة العسكرية غطاءً مدنياً وترتيب تحالفاتها تمهيداً لتثبيت نفوذها؟
قوى مدنية تشكك في استقلال الحوار
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الجدل في هوية الجهة التي بادرت إلى الحوار، إذ لم تتضح بصورة كافية، وفق منتقدين، طبيعة المجموعة التي وُصفت بأنها «وطنية ومستقلة»، ولا معايير تشكيلها أو الجهات التي تمثلها.
ويقول منتقدو المبادرة إن الحوار لا يمكن أن يكون مستقلاً بالكامل إذا كان أحد أطراف الحرب هو الذي يوفر مكان انعقاده وتمويله وحمايته وضماناته، خصوصاً إذا كانت البيئة السياسية والأمنية المحيطة به خاضعة لسلطة ذلك الطرف.
كما أثارت فكرة منح المشاركين حصانات إجرائية مؤقتة انتقادات من قوى سياسية ومدنية، باعتبار أن الحرية السياسية لا ينبغي أن تكون امتيازاً مؤقتاً تمنحه السلطة للمشاركين في حوار تنظمه، بل حقاً أصيلاً يجب أن يكون متاحاً لجميع القوى السياسية والمجتمعية.
مخاوف من إعادة تدوير تجربة «حوار الوثبة»
ويعيد الجدل الحالي إلى الأذهان تجربة «حوار الوثبة» التي أطلقها نظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2014، والتي شاركت فيها قوى سياسية ومدنية مختلفة، لكنها لم تؤد إلى تغيير جوهري في طبيعة النظام أو تفكيك بنيته السياسية والأمنية.
ويخشى معارضو البرهان من تكرار التجربة بصيغة جديدة، عبر استيعاب شخصيات مدنية محدودة التأثير داخل بنية السلطة، ثم تقديم مخرجات الحوار باعتبارها «توافقاً وطنياً» يمنح السلطة القائمة شرعية سياسية.
ويرى هؤلاء أن الخطر لا يكمن فقط في مشاركة الإسلاميين بصورة مباشرة، وإنما في استمرار نفوذ شبكات النظام السابق داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إلى جانب القوى المسلحة ذات الخلفية الإسلامية التي تقاتل إلى جانب الجيش.
السلام أولاً أم الحسم العسكري؟
ويرى منتقدو المبادرة أن أي حوار جاد بشأن مستقبل السودان يجب أن يسبقه وقف لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتهيئة بيئة آمنة تسمح بمشاركة جميع الأطراف بصورة متوازنة.
ويثير استمرار القتال بالتزامن مع الدعوة إلى الحوار تساؤلات حول ما إذا كانت العملية السياسية ستصبح امتداداً للمواجهة العسكرية، بحيث تستخدم نتائجها لتثبيت موازين القوة التي تفرضها المعارك على الأرض.
كما تبرز قضية تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة باعتبارها أحد جذور الأزمة، في ظل الدعوات إلى إعادة تأسيس مؤسسة عسكرية وطنية مهنية واحدة، وإبعاد التنظيمات السياسية والعقائدية عن القوات النظامية، وإخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية دستورية.
الإسلاميون.. حضور مباشر أم نفوذ من خلف الستار؟
وتبقى علاقة السلطة الحالية بالحركة الإسلامية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل حول المبادرة.
فالقوى المدنية المعارضة تتهم شبكات النظام السابق بالسعي إلى استعادة نفوذها من خلال الحرب والتحالف مع الجيش، بينما تنفي أو ترفض أطراف أخرى هذه الاتهامات.
وتظل الادعاءات بشأن وجود دور مباشر للحركة الإسلامية في صياغة المبادرة أو توجيهها اتهامات سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة للتحقق منها، ولا يكفي ورودها في تصريحات الخصوم السياسيين لإثباتها.
لكن في المقابل، فإن استمرار حضور شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق داخل المشهد السياسي والأمني يجعل قضية تفكيك نفوذ النظام السابق والعدالة الانتقالية من الملفات التي يصعب تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
المطلوب: حوار ينهي الحرب لا يعيد ترتيبها
وتتجاوز جذور الأزمة السودانية المواجهة الحالية بين الجيش والدعم السريع، لتشمل عقوداً من عسكرة الدولة، وتعدد التشكيلات المسلحة، والتهميش الإقليمي، وضعف المؤسسات المدنية، وغياب المحاسبة.
لذلك، فإن أي عملية سياسية ذات مصداقية تحتاج إلى معالجة هذه الملفات بصورة متزامنة، مع ضمان مشاركة المدنيين والنازحين واللاجئين والضحايا وممثلي المناطق المتضررة، وعدم قصر الحوار على القوى العسكرية والسياسية الأكثر نفوذاً.
وفي ظل اتساع رقعة الحرب إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق والمناطق الحدودية، فإن استمرار القتال يرفع كذلك مخاطر تحول الأزمة السودانية إلى صراع إقليمي أكثر تعقيداً، مع تزايد التدخلات الخارجية وشبكات التسليح والتمويل.
وفي المحصلة، فإن السؤال الأساسي أمام مبادرة البرهان لا يتعلق بمجرد عقد الحوار، وإنما بشروطه ومخرجاته: هل يكون الحوار طريقاً إلى وقف الحرب وبناء دولة مدنية، أم يتحول إلى آلية لإعادة ترتيب السلطة القائمة ومنحها غطاءً سياسياً؟
فالسلام المستدام يحتاج إلى وقف القتال والعدالة وإصلاح المؤسسة العسكرية وبناء نظام مدني، لا إلى إعادة إنتاج موازين الحرب داخل قاعة حوار.
سكاي نيوز عربية

