سعد الدين الماحي
من عجب، أن يلجأ الإعلام السعودي المتمثل في قناة (العربية – الحدث)، للكذب البواح، فيصف زيارة لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة تأسيس مع وفد رفيع المستوى من المسؤولين الحكوميين لكمبالا استجابة لطلب من الحكومة اليوغندية، بأنها زيارة لـ(وفد من قوات الدعم السريع)، في مخالفة صريحة للحقيقة والواقع.
أوردت القناة اليوم الجمعة، خبراً صاغته كالآتي: (في أول ظهور له منذ أشهر .. حميدتي على رأس وفد من قوات الدعم السريع يزور أوغندا).
وكما هو واضح فقد تجاهلت القناة السعودية وجود قيادات سودانية معروفة، لا تنتمي تنظيمياً لقوات الدعم السريع، بل أن وجودهم كفاعلين في الحياة السياسية السودانية، سبق وجود رئيس المجلس الرئاسي نفسه مثل القائد (عبد العزيز ادم الحلو)، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان ونائب رئيس المجلس الرئاسي، وكذلك رئيس الوزراء (محمد الحسن التعايشي) كوجه سياسي معروف منذ الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط البشير، وكان هناك (الطاهر أبو بكر حجر)، عضو المجلس الرئاسي، (د. الهادي ادريس يحيى) عضو المجلس وحاكم اقليم دارفور، (د. مبروك مبارك سليم) عضو المجلس حاكم اقليم شرق السودان، وزير مجلس الوزراء (إبراهيم الميرغني)، ووزير الخارجية (عمار اموم). ومن الجلي أنه لا علاقة تنظيمية لكل هؤلاء بالدعم السريع، بل لهم تنظيماتهم وكياناتهم المعروفة سواء كانت عسكرية أو سياسية، وهم حلفاء للدعم السريع، ضمن تحالف السودان التأسيسي المعلن عنه منذ عام، ودخل بالفعل في علم الكافة.
ومن المفهوم أن تتجنب القنوات الإخبارية الوقوع في فخ إثبات الشرعية أو نفيها عند تسمية الكيانات، لكن وجود التحالف كجسم هو أمر واقع وهو بطبيعة الحال لا يتعلق بشرعية الحكومة من عدمها. وعلى الرغم من ذلك لم تجد القناة حرجاً في أن تنسب كل هؤلاء، للدعم السريع كتنظيم.
وكان من المنطقي أن يتم تسمية هؤلاء بمسمياتهم التنظيمية المعروفة إن لم تشأ القناة السعودية الإشارة إليهم حتى كتحالف سياسي، أن تشير إليهم إن شاءت بـ(وفد قوات الدعم السريع وحلفائه)، لكن أن تضطر القناة لهذه المغالطة، فهو مما يقدح في مصداقيتها وحياديتها كوسيط إخباري.
كان آخر ممارسات تلك القناة تقريراً بثه احد مراسليها من على ظهر عربة قتالية تابعة للجيش، مؤكداً أن (القوات المسلحة قطع شوطاً طويلاً في تأمين كردفان)، وأن طاقم القناة يرافق الجيش في عمليات التأمين هذه، والتي لا يعلم عنها أحد شيئاً، بل أن كل ما ربط بين الجيش وكردفان بعدها هو قصفه للمدنيين في الأسواق والأحياء السكنية في الإقليم بالطائرات المسيرة، والتي وصل عدد ضحاياها من المدنيين لـ(59) في (السنوط) و(أم رسوم) وغيرها، بحسب التقارير المحلية، وكذلك الفيديوهات البشعة التي وثقت قصف الجيش لمصادر المياه في غرب كردفان ومقتل النساء والأطفال، دون أن تنبس القناة السعودية ببنت شفة، أو تعاود الحديث عن عمليات (التأمين) التي شارك فيها مراسلوها من على ظهر الآليات القتالية للجيش.
تقترب ممارسات القناة المرتبطة بالمخابرات السعودية من موقف الغرف الإعلامية لجماعة الإخوان في السودان لحد التطابق، وفي تماه تام مع موقف المملكة الذي وصفه السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام في وقت سابق من فبراير الجاري بأنه (تراجع للوراء)، دون أن يذكر أنه وضمن هذا التراجع، عادت السعودية لدعم الجماعات الدينية المتطرفة في السودان لوجستياً وإعلامياً، .لكنه وصف المبررات السعودية المرتبطة بملفات السودان واليمن في الهجوم على الإمارات، بأنها (غير كافية لإعلان ما يشبه الحرب الإعلامية).
لا يجادل أحد في أهمية زيارة رئيس المجلس الرئاسي والوفد المرافق له، كونها تحمل دلالات كبيرة يتعلق بعضها بالاعتراف الإقليمي في معركة الشرعية، ويتعلق بعضها بالصراع السوداني نفسه الذي دوله الإخوان فكان لا بد من التعاطي معه على المستويين الاقليمي والدولي.
تستطيع السعودية التعامل مع الملف السوداني بهذه الطريقة (الهوجاء)، أو أن تستغل قنواتها الاعلامية لتأييد رؤية الإخوان وروايتهم للصراع، وقد تنشغل بتصفية حساباتها مع الإمارات على حساب دماء السودانيين المسفوكة جراء الهجمات بالمسيرات التركية، والتي قتلت من النساء والأطفال أكثر مما قتلت من العسكريين، لكن المملكة وقنواتها الإعلامية لا تستطيع أن تتجاهل حقيقة وجود تحالف السودان التأسيسي والذي فشل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بالإضافة لمصر وقطر وتركيا – مجتمعين – في هزيمته، حتى بعد معارك استمرت لثلاث سنوات استخدموا فيها السلاح الكيميائي المحرم دولياً. وها هو تحالف تأسيس وحكومته يتمدد باتجاه الجوار الإفريقي، ولا عزاء للأكاذيب.

