ليست المشكلة في الدين… بل فيمن استخدمه سلّماً إلى السلطة.
منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، لم يكن المشروع مجرد دعوة إصلاحية تقليدية، بل تنظيماً عابراً للحدود، يقوم على السمع والطاعة، ويؤمن بأن “التمكين” هو الطريق الحتمي للسيطرة على مفاصل الدولة. لم تكن الفكرة وعظاً روحياً… بل مشروع سلطة طويل النفس.
في السودان، تحولت النظرية إلى واقع دموي بعد انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير، وبدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الدولة ملكاً لكل السودانيين، بل أصبحت ساحة مغلقة لإعادة توزيع السلطة على أساس الولاء التنظيمي.
تمّت هندسة الجيش وفق الانتماء.
أُعيد تشكيل الأجهزة الأمنية لحماية الفكرة لا الوطن.
أُقصيت الكفاءات، وصعد أهل الثقة.
وتحوّل الاقتصاد إلى شبكة مصالح تخدم الحلقة الضيقة.
لم يكن الخطر في الشعارات الدينية، بل في تحويلها إلى غطاء سياسي. كل من عارض وُضع في خانة العداء للإسلام. كل ناقد صُنّف كخصم عقائدي. هكذا اختلط الدين بالسلطة، فصار الاعتراض السياسي تهمة أخلاقية.
الأخطر أن التنظيم لم يتصرف كحزب طبيعي يخضع لقواعد التداول والمساءلة، بل كبنية سرية موازية للدولة، تملك شبكاتها وقراراتها وولاءاتها الممتدة خارج الحدود. دولة داخل الدولة… ثم دولة داخل الدولة.
والحصيلة كانت ثقيلة:
• عزلة دولية خانقة
• اقتصاد ينهار تحت وطأة الفساد والمحسوبية
• حروب داخلية غذّتها سياسات الإقصاء
• مجتمع ممزق بين موالٍ ومتهم
سقوط النظام في 2019 لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من احتكار السلطة وتغليب التنظيم على الوطن. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة اليوم:
هل كانت المشكلة في أشخاص؟ أم في بنية فكرية ترى الدولة وسيلة، لا غاية؟
التجربة السودانية تثبت درساً قاسياً:
حين يُختطف الوطن باسم الدين، يصبح الشعب هو الضحية الأولى.
وحين يتحول التنظيم إلى سلطة مطلقة، تتحول الدولة إلى رهينة.
هذه ليست معركة ضد معتقد، بل ضد استغلاله.
وليست خصومة مع دين، بل مع من جعلوه أداة حكم وإقصاء

