عجيبٌ هذا الزمان الذي يُختزل فيه السودان؛ أرض الحضارات الضاربة في جذور التاريخ، وموطن الإنسان النقي، السامق بعلمه، النبيل بوفائه، ليصبح مجرد حقيبة دبلوماسية مخروبة يجرّها جنرال الانقلاب عبد الفتاح البرهان في أزقة العواصم، باحثاً عن شرعيةٍ مفقودة.
لقد نجح جنرال بورتسودان في مهمة واحدة بامتياز: تقزيم وطنٍ كان ملء السمع والبصر، وإحاطة مناحي الحياة فيه بابتذالٍ غير مسبوق، بعد أن قدّم غوغاء القوم ودهماؤهم، ونحّى العلماء، والمثقفين، والشرفاء، ليتصدر المشهدَ باعةُ الوهم وسماسرة الشرعية الزائفة.
آخر فصول هذه الكوميديا السوداء، وأحدث تجليات هذا التقزيم، ما شهدته العاصمة البريطانية لندن. فقد ظنت سلطة بورتسودان، في سذاجة سياسية تحسد عليها، أنها قادرة على ممارسة الرشوة الدبلوماسية والفهلوة في معاقل الديمقراطية العريقة. فأرسلت كاملَ إدريس، يتبعه وزير إعلامها خالد الأعيسر، في رحلة طامحة لكسر العزلة الدولية، وتسويق الزيارة كاختراق تاريخي.
لكن الصفعة البريطانية جاءت محكمة، حادة، ومقطرة بالتهكم البارد.
ففي ردّ رسمي مكتوب، نسف وكيل وزارة الخارجية البريطانية، كريس إلمور، تلك الأوهام نسفاً، مؤكداً بوضوح لا لبس فيه أن حكومة جلالة الملك لم تُوجّه أي دعوة، ولم تكن على علم بالزيارة أصلاً!
لقد دخل وفد البرهان لندن متسوِّرين الأبواب كاللصوص، بلا أي صفة رسمية تحمل وقار الدولة السودانية، بل دخلوا متسللين بجوازات سفر أوروبية، كأي سياحٍ تقطعت بهم السبل.
تأملوا هذا المشهد السريالي الذي يختصر انحطاط السلطة الحالية: لندن تُغلق أبوابها بالترباس في وجه مبعوثي البرهان، فلا لقاء بمسؤول، ولا بروتوكول، ولا حتى مصافحة عابرة في ممر!
وأمام هذا الخذلان الفاضح، لم تجد السفارة السودانية سبيلاً لإنقاذ ماء وجهها المسكوب سوى ترتيب لقاء تهريجي مع ثلة من الطلاب داخل قاعة دراسية، في محاولة بائسة لافتعال مشهد إعلامي يوهم العوام بأن ثمّة نشاطاً دبلوماسياً قد حدث.
إنها الدبلوماسية حين تتحول إلى فسحة مدرسية، والسياسة حين يديرها الهواة.
هذه الفضيحة الدبلوماسية ليست مجرد سقطة من سقطاتهم المعتادة، بل هي المرآة التي تعكس كيف أدار البرهان ظهره لنخب السودان الحقيقية. ففي الوقت الذي يُطرد فيه ممثلوه من الأبواب الخلفية لعواصم القرار، يقبع شرفاء السودان ومثقفوه الأوفياء في المنافي أو تحت وطأة التهميش، وهم الذين كانوا يملأون المحافل الدولية هيبةً ووقاراً.
لقد استبدل البرهان الكفاءة بتمكين “الإخوان” والتأهيل بالولاء الأعمى، والشرف بالانتهازية الفجة، فكانت النتيجة الطبيعية أن تصبح دبلوماسية بورتسودان أضحوكة يتندر بها الغاشي والماشي على منصات التواصل الاجتماعي.
الرسالة البريطانية لم تكن مجرد نفي للزيارة، بل كانت رصاصة رحمة أُطلقت على شرعية الانقلاب؛ إذ أكدت أن مستقبل السودان يقرره شعبه وحده، ولا بديل عن الحكم المدني. وهو ما يعني، باللغة الدبلوماسية الفصيحة: أيها الجنرال، ارفع يدك عن السودان، فلن تبيعنا بضاعتك الفاسدة.
لقد أثبتت واقعة لندن أن عظمة السودان وعمق تاريخه ونقاء إنسانه أشياءٌ لا يمكن أن تمثلها سلطةُ أمر واقع قوامُها إخوان وعسكر، فرّطت فرّطت وما تزال تمضي في التفريط بكل شيء!
ولا شك في أن الشرفاء والمثقفين من المدنيين سيبقون وجه السودان الحقيقي، مهما حاول الأراذل طمس الملامح.