إحدى المفاهيم الخاطئة التي حملها خطابنا السياسي، قولًا وممارسة، هي أننا نظرنا إلى الحركة الإسلامية أو (الكيزان) — كما في الوصف السياسي اليومي — بوصفها حالة سياسية وتنظيمًا يمتلك أُطره ومؤسساته مثل باقي التنظيمات، قاد انقلابًا عبر جناحه العسكري، ثم قام بتسكين عناصره المدنية في جهاز الدولة فيما عُرف بالتمكين. لكننا لم نرصد جيدًا الجذور الاجتماعية والطبقية للتنظيم نفسه وتطوّره.
فهو ليس تلك الجماعة الصغيرة من طلاب جامعة الخرطوم في الخمسينيات، من ذوي الجذور الريفية أو القادمين من الأرياف، الذين أعلنوا تنظيمهم — أو لنقل شِلَّتهم الطلابية — كردّ فعل على صدمة المدينة وحداثتها ووحشتها التي باغتتهم، فقالوا: «نحن فقط ناس الدين»، متشبّثين بالتقاليد التي لم تكن هناك مسافة واضحة تفصلها عن الدين.
أسرد هنا ما سمعته من أحد المؤسسين، عمي المرحوم الدكتور يوسف حسن سعيد أبو شعر، حين جلست معه في منزله بود نوباوي. وقد قال لي عند حديثه عن تكتلهم المبكر تلك العبارة: «نحن ناس الدين». كان غرضي معرفة الجذور الطبقية للمؤسسين، ومن بينهم محمد يوسف، علي طالب الله، ويوسف حسن سعيد. كان اثنان منهم أبناء مزارعين فقراء قادتهم الحوجة والطموح لترك مساحة الشريط النيلي الضيقة بين الصحراء والنهر والهجرة إلى مشروع الجزيرة — بركات ومارنجان — بحثًا عن أراضٍ أوسع، حتى لو لم تكن مملوكة لهم، لكنها تفتح أفقًا اقتصاديًا أوسع من ذاكرة السواقي والصحراء والنهر جهة منطقة (الجول) إحدى قرى الباوقة.
والدي نفسه، إلياس موسى، قريبهم، غادر مبكرًا مع أشقائه وأبناء عمومته إلى الجنينة بدار مساليت، بينما ذهب آخرون إلى ملكال، ومنهم عمي سعيد سيد أحمد وآخرون من أهلي. سألت الخال يوسف حسن سعيد رحمه الله عن ثالثهم، علي طالب الله، ماذا كان يعمل والده؟ فقال: كان عندو «زريبة حطب» في ود مدني.
وقد دفعت تحولات دولة ما بعد الاستعمار — حين أصبح التعليم وسيلة للترقي والطموح الاقتصادي — بهذه الفئات إلى جامعة الخرطوم. ويمكن القول إن الفقر في ذلك الزمن كان الملمح الأساسي لمعظم أهل السودان، نتيجة الانتقال القسري والعنيف الذي أحدثه الاستعمار: توسّع الاحتياجات الاستهلاكية، تغيّر تصور الناس للمستقبل، تراجع الزراعة التقليدية (زراعة السواقي)، وربط الزراعة بالسوق العالمي.
أذكر هنا أن بعض أهلنا من مناطق الجعليين الذين كانوا معنا في الجنينة بدار مساليت، كانوا يقولون لأهلي: «اضبطوا إنفاقكم». فقد كانت حرفتهم الأساسية في قراهم صناعة السواقي، لكن مع دخول البابورات الحديثة انقرضت المهنة، وصاروا أحرص على حفظ المال، لأنهم إن عادوا لقراهم فلن يجدوا مهنة يعتمدون عليها. كانوا حرفيين مهرة في تكنولوجيا الري بالسواقي التقليدية، لكن السوق — جاء بالبابورات اللستر — فانهى وجودهم وصنعتهم.
فالاستعمار لم يكن مجرد إدارة، بل كان نمطًا للحياة وتحطيمًا قاسيًا لأساليب العيش وتقسيم العمل ومعايير الترقي. صحيح أن العهد التركي عرف أشكالًا من الرأسمالية الطرفية في بربر والأبيض والمسلمية والفاشر، لكنها لم تتخذ الطابع التوسعي الكبير إلا بعد دخول الإنجليز وفي سياق التنافس الاستعماري وتقسيم العالم بين الرأسماليات الأوروبية.
مرّ تنظيم الإخوان بمراحل الستينيات والسبعينيات ثم عهد الإنقاذ وإلى يومنا هذا. ويمكن القول إن الكوزنة لم تعد مجرد تنظيم سياسي — مؤتمر وطني أو حركة إسلامية — بل وقع انفصال مبكّر منذ أواخر عهد نميري والديمقراطية الثالثة، إذ كان للتنظيم مشروع اقتصادي (الاقتصاد الإسلامي) ومشروع سياسي يتكاملان عبر أداة السلطة، ثم توّج ذلك في عهد الإنقاذ.
فمن خلال التنظيم ومن خلال السلطة، جرى استيعاب بنية طبقية واجتماعية جديدة، ما يُسمّى في الأدبيات الماركسية بـ الفرز الطبقي العنيف عبر أداة السلطة وعنفها. وصارت هذه البنية — المشكلة من أصحاب طموح طبقي جديد قادمين من أفندية الريف المستوعبين في التنظيم الإسلامي، ومن قدامى طبقة أفندية المدينة — أحد تعبيرات الطبقة الجديدة/القديمة مع خطاب جديد اسمه «الشريعة الإسلامية». تغيّر الشكل: الحجاب، اللحاق بالصلوات في الجوامع، إشهار التدين العام… لكن المصالح ظلت كما هي.
ومع مرور الزمن، لم يعد خطاب الإسلام السياسي — الذي يعلنه «البراؤون» أو الناجي عبد الله — هو المحدد الوحيد. فقد غدت المصالح الاجتماعية والطبقية لفئات أوسع من الشكل التنظيمي هي المحدد الفعلي. وصار خطاب الدولة والوطن يحتمل أيضًا الدين والشريعة، وكلها جذور أيديولوجية واحدة وإن اختلفت مواقع التعبير. يمكن تسميتها هنا: «السوق الاقتصادي للإسلام السياسي وتعبيراته الاجتماعية والطبقية».
وفي هذا السوق تتبادل المصالح، وتتداخل معه اعتبارات قبلية وعشائرية وخطابات «أولاد البلد» والمدن، لتدعم الروابط الطبقية: ابن العم البعثي، ود الخالة الشيوعي، الجيران، الأهل… فاعتقال أحدهم كمعارض لا يمنع أن يتدخل «ذلك الكوز» المتنفّذ لإطلاقه. في النهاية «الناس أهل»، والتقاليد السودانية لا تمانع.
من هنا يصبح سؤال: «لماذا يوجد كيزان داخل قوات الدعم السريع؟» سؤالًا مفهومًا.
فالسوق السياسي للحركة الإسلامية انحلّ في تركيبة اجتماعية وقبلية تحكمها شروط طبقية، وتتحكم فيها معايير تقديم أشخاص وتأخير آخرين في السلم التنظيمي. إذ لم يعد التنظيم مجرد تنظيم، بل صار «ريموتًا» لجهاز الدولة الطبقي.
ولنكون أكثر صدقًا، يجب أن نكون حذرين في توصيف هذه البنية القبلية نفسها. فهي تُستخدم هنا كضرورة رمزية سياسية، أشبه برمز فلكلوري: «نحن شوايقة»، «نحن جعليين»، «بديرية»، «دناقلة»، «شمال نهر النيل»… لكنها لا تعبّر حقًا عن إنسان هذه المناطق، بل تُستخدم كأداة لترويج هذه الطبقة.
لقد قلنا إن تنظيم (الكيزان) لم يعد منذ زمن يعبر عن شكل تنظيمي، بل انحلّ في إطار طبقي اجتماعي منفصل عن خطاب الإسلام السياسي. وقد يتبنّى داخل هذا الإطار أفكارًا ليبرالية أو ماركسية أو حتى «إلحاد بالدرب العديل». هذه صراعات سياسية باردة تهدف لمعالجة الأزمات السياسية والاختلافات حول كيفية إدارة الدولة.
لكن ما إن جاءت الحرب الحالية وحملت تهديدًا جديًا لجهاز الدولة — المستودع التاريخي لمصالح طبقة دولة ما بعد الاستعمار — حتى ظهر «الجيش الاجتماعي الاحتياطي للكيزان» عبر مجموعات (البلابسة) الذين تبنّوا فكرة الدفاع عن الجيش والدولة. وقد جرى التعامل مع الكيزان في خطاب مناهضة الجيش وكأنهم مجرد «عفش» يسهل التخلص منه لاحقًا. البعض يقول بسذاجة: «الثورة شالتهم». نعم، الثورة أزاحتهم تنظيميًا، لكنها لم تزلهم طبقيًا. وهذه البنية لا يمكن التعامل معها بأدوات سياسية صِرفة، بما فيها الثورات.
فقد دفعت آلياتها الاجتماعية (غريزة بقاء الدولة كمصالح اجتماعية مشتركة بكل (بلبوسي) إلى الواجهة، ليتم استبدال خطاب «الإسلام السياسي» بخطاب «الجيش والدولة والوطن» كحالة احتيال ايدلوجي يتم بها الهرب من سؤال الحرب كتجلي للتناقضات الاجتماعية لا كحدث سياسي .
وسواء كنت واعيًا بذلك أم لا، فأنت الآن — أيها (البلبوسي) — تمثّل (الكوز) بصيغته الاجتماعية-الطبقية، لا بصيغته السياسية العقائدية. ورغم اختلاف التعبيرات، فإنكما تشتركان في مصالح واحدة: حماية الدولة وجيش الدولة، وصون المصالح التي يرعاها جهاز الدولة. وبعد القضاء على «الخطر» — أي قوات الدعم السريع — «بيناتكم يحلّها ألف حلال».
فا(البلبوسي)، هو (كوز) من حيث الشرط الاجتماعي لمشروع الكوزنة، لا من حيث خطاب الكوزنة السياسي المباشر..

