على ما يبدو، فإن ياسر العطا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، قد ورّط، بتصريحات موثقة ومشهودة، القوات المسلحة وقائدها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، بصورة جدية للغاية، فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب الجارية في السودان منذ أبريل 2023. وربما نسي أن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، كما يشغل عضوية هيئاتها التنفيذية.
لكن كيف بدأت هذه الورطة؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من العودة إلى خطابه الشهير بعد مرور مائة يوم على اندلاع الحرب، في 14 يوليو 2023، بمدينة أم درمان، عندما خاطب قوات من الجيش وقوات العمل الخاص التابعة للإسلاميين، والتي تضم تنظيمهم العسكري داخل الأجهزة الأمنية.
في ذلك الخطاب، الذي غطّى عليه ما يُعرف في السودان بـ”حماس الجيش”، قال العطا:
“”لدينا معارك مهمة خلال الفترة المقبلة، وسوف نستخدم القوة المميتة والخفية لحسم المعركة، وذلك بالقدر الذي يسمح به القائد العام”، وهو البرهان
بعد هذه التصريحات، تداولت منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مؤثرين ومساندين للحرب من طرف القوات المسلحة، كثيراً من الأخبار والإشارات المرتبطة بما سُمّي بـ”القوة المميتة” وكيفية استخدامها لحسم المعركة. فالحرب في السودان بدأت على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تزال ساحاتها المفتوحة حتى اليوم.
أما قضية الأسلحة الكيميائية وغاز الكلور، فقد وثقتها تحقيقات صحفية دولية متعددة منذ 2024 وحتى وقتنا الحالي ، تحدثت عن استخدامها في مناطق استراتيجية شمال الخرطوم، أبرزها مصفاة الجيلي ومحيطها، ومجمع “قري” الصناعي العسكري، عبر غارات جوية. كما رصدت تلك التحقيقات استخدام مواد حارقة في محيط سلاح المدرعات جنوب الخرطوم خلال المعارك البرية، إضافة إلى تقارير أشارت إلى استخدامها في ولايات سنار والجزيرة وشمال دارفور. كما ذكرت تقارير طبية في سنار، خلال أكتوبر 2024، أنها رصدت أكثر من 150 حالة إجهاض خلال أقل من ستة أشهر، وربط أطباء محليون ذلك باستنشاق مواد وغازات كيميائية سامة.
الحديث عن استخدام الأسلحة الكيميائية ليس مجرد مزحة، ولا تصريحات أطلقت في لحظات حماس، كما قد يتصور رئيس هيئة أركان القوات المسلحة أو مناصرو الحرب وداعمو القوات المسلحة. فالقضية شديدة الخطورة، ونتائجها ليست مجرد ورقة ضغط سياسية على سلطة الأمر الواقع، بل ترتبط باتهامات وتحقيقات أجرتها مؤسسات إعلامية مرموقة، من بينها فرانس 24 عبر تحقيق فريقها .”مراقبون”
أما مسألة التحقيق، والتي رفضتها سلطة الأمر الواقع، رغم بيان وزارة الخارجية الصادر في 25 يوليو 2026، فتثير بدورها كثيراً من التساؤلات. فهناك عدة نقاط تبدو متعارضة عند مقارنتها بالمواقف المعلنة سابقاً. فالبيان يؤكد الاستعداد للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بينما تطالب واشنطن بالسماح للمنظمة بوصول فوري وغير مقيد للتحقيق، وهو ما لم يُنفذ حتى الآن. كما يتمسك البيان باللجنة الوطنية، رغم أن آليات الاتفاقية تقوم على التحقق الدولي المستقل عند وجود ادعاءات خطيرة. ويقول السودان إنه دعا خبراء أمريكيين، لكنه لا يوضح لماذا لم يُطلب رسمياً تفعيل إجراءات التحقيق المنصوص عليها في الاتفاقية منذ بداية الأزمة.
تعنّت سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بشأن السماح للجان تقصي الحقائق الدولية انتهى إلى فرض الولايات المتحدة حزمة ثانية من العقوبات على السودان، على خلفية الاتهامات والمزاعم والتحقيقات والتقارير المتعلقة باستخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية محظورة خلال الحرب، في خطوة تزيد الضغوط على القيادة العسكرية، رغم استمرار سلطة الأمر الواقع في نفي هذه الاتهامات.
ودخلت العقوبات الجديدة حيز التنفيذ في 20 يوليو، وتشمل توسيع قيود التصدير، وفرض قيود إضافية على المعاملات المالية وقطاع الطيران، إضافة إلى إلزام الولايات المتحدة بمعارضة منح السودان قروضاً أو مساعدات مالية عبر المؤسسات المالية الدولية. وتأتي هذه الإجراءات استكمالاً للعقوبات التي فرضت عام 2025، بعدما خلصت واشنطن إلى أن السودان انتهك أحكام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. وفي نهاية المطاف، يدفع السودانيون وحدهم الثمن الباهظ لهذه التداعيات
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن العقوبات الأخيرة تستند إلى “تقييم وطني فني مستقل ودقيق” خلص إلى أن أسلحة كيميائية محظورة استُخدمت خلال النزاع المسلح بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، المستمر منذ 15 أبريل 2023، والذي تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ومن أبرز نتائج أزمة الثقة التي عكستها مواقف سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، رفض الولايات المتحدة قرار السودان تشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات، معتبرة أن التحقيقات الداخلية لا يمكن أن تحل محل التحقق الدولي المستقل. وقالت البعثة الأمريكية إن “الآليات البيروقراطية المحلية ليست بديلاً عن الالتزام بالمعاهدات أو التحقق المستقل”، موضحة أن واشنطن لم تُجرِ تحقيقاً ميدانياً داخل السودان، لكنها شاركت نتائج تقييمها الفني مع السلطات السودانية، وحثتها على التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ورغم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن العقوبات تستهدف المسؤولين عن الانتهاكات، وليس الشعب السوداني، وأنها تتضمن استثناءات للمساعدات الإنسانية والغذائية، فإن التجربة السودانية السابقة مع العقوبات تجعل من الصعب الفصل بين المستهدفين والآثار الواقعة على المواطنين.
وفي المحصلة، فإن هذه العقوبات مرشحة لزيادة العزلة الدبلوماسية والاقتصادية على مناطق سيطرة القوات المسلحة وسكانها، وهو ما قد يدفع السودانيين إلى أوضاع أكثر قسوة مع مرور الوقت.

