تواجه محاولات تشكيل الحكومة الانتقالية في بورتسودان، بقيادة رئيس الوزراء المكلّف كامل إدريس، تعثرًا خطيرًا يهدد بإجهاض الحكومة قبل ولادتها، وسط صراع محتدم على السلطة بين الفصائل المسلحة المتحالفة مع الجيش وقائد قوات الجيش عبد الفتاح البرهان.
منذ تكليف إدريس في 18 مايو 2025، لم يتم إعلان سوى خمس وزارات فقط من أصل 22 حقيبة وزارية، بينما لا تزال الوزارات السيادية والاقتصادية مثل المالية والمعادن والنفط شاغرة، في ظل خلافات حادة حول الترشيحات والمحاصصة، وخصوصًا مع الأطراف المسلحة المنضوية تحت ما يُعرف بـ“القوات المشتركة” والتي تطالب بحصص تنفيذية وفق اتفاق جوبا للسلام.
“ميليشيات البرهان”.. حلفاء اليوم وخصوم الغد
ويرى مراقبون أن الأزمة لا تقتصر على بطء الإجراءات، بل تكشف عن أزمة بنيوية داخل معسكر السلطة نفسه، مع اتساع هوة الخلاف بين البرهان وحلفائه من الميليشيات الذين يطالبون بمواقع وزارية تعزز نفوذهم السياسي والميداني، في وقت يُتهم فيه البرهان بتمكين تيارات إسلامية محسوبة على النظام السابق.
ويعكس هذا التعثر، حسب المحلل السياسي عمار سعيد، “إخفاقًا جذريًا في مشروع بناء سلطة انتقالية حقيقية”، مضيفًا أن إدريس “مجرد واجهة لسلطة عسكرية تسعى لإعادة إنتاج النظام القديم، لا تجاوز الأزمة الحالية”.
فراغ تنفيذي وتدهور مستمر
في ظل هذا الفراغ التنفيذي، تُدار الوزارات مؤقتًا عبر وكلاء وأمناء عامين دون صلاحيات واضحة، ما أدى إلى شلل إداري وتدهور اقتصادي وأمني متسارع، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ببورتسودان.
وتتفاقم الأزمة مع اقتراب الحرب من دخول عامها الثالث، في وقت تفشل فيه الحكومة الموعودة في بناء أي مشروعية قانونية أو شعبية. ويشير المحلل نجم الدين دريسة إلى أن “ما يجري في بورتسودان ليس سوى محاولة لتلميع صورة سلطة عسكرية معزولة مزّقت الوثيقة الدستورية وفقدت أي غطاء شعبي”.
أسباب التعثر: تقاسم الغنائم لا بناء الدولة
بحسب عمار سعيد، هناك عاملان رئيسيان يفسران الفشل في تشكيل الحكومة:
- غياب الإرادة الوطنية، إذ يرفض العديد من الشخصيات الوطنية الانخراط في “حكومة دون رؤية سياسية أو شرعية شعبية”.
- صراعات تقاسم السلطة بين العسكريين والميليشيات التي أنشأها البرهان نفسه، والتي باتت تنافسه على النفوذ والمناصب.
ويُعقّد الأمر أكثر تمسك حركات اتفاق جوبا بحصتها المقدرة بـ25% من المقاعد، ما يجعل تشكيل حكومة كفاءات محايدة شبه مستحيل، حسب سعيد.
انتقادات دولية وتشكك واسع
لاقى الإعلان عن تكليف إدريس انتقادات واسعة من الإعلام والمحللين الدوليين، حيث وصف موقع المونيتور الأمريكي الخطوة بأنها “إجراء بلا جدوى” في ظل “هيمنة عسكرية مطلقة”.
أما صحيفة ذا ناشيونال فأكدت أن “الشكوك تحيط بمدى صلاحيات إدريس الحقيقية”، معتبرة أنه “نتاج مباشر للجيش” لا يملك قاعدة شعبية أو نفوذ سياسي مستقل.
مستقبل قاتم لحكومة لم تُولد بعد
مع استمرار الشلل التنفيذي وغياب توافق سياسي حقيقي، تبدو حكومة بورتسودان في مهب الريح. فرغم الترويج لها كـ”حكومة أمل”، يعتبرها كثيرون امتدادًا لصراع مصالح داخل معسكر واحد، لا مشروعًا وطنيًا لإنقاذ السودان من أزمته المتفاقمة.

