في تحول مفصلي لمسار تشكيل حكومة بورتسودان الانتقالية، تراجعت حكومة رئيس الوزراء المكلف كامل إدريس عن تعهدها بتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية، بعد تدخل مباشر من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لصالح الفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلة “القوات المشتركة”، والتي حصلت رسميًا على ست وزارات اتحادية، من بينها المالية والمعادن.
عودة الحقائب الثقيلة للحركات المسلحة
وبحسب مصادر رسمية، جرى تخصيص خمس وزارات لمسار دارفور، ووزارة واحدة لمسار المنطقتين (النيل الأزرق وجنوب كردفان)، في اتفاق أنهى أزمة سياسية حادة نشبت إثر إعلان إدريس حل الحكومة السابقة وتعهده بتشكيل حكومة تكنوقراط “مستقلة”، وهو ما رفضته قيادات القوات المشتركة واعتبرته تنصلاً عن اتفاق جوبا، ملوحة بالانسحاب من الشراكة مع الجيش.
البرهان يتدخل.. “توازن الضرورة”
وتدخل البرهان شخصيًا لاحتواء التوتر، خاصة بعد أن بدأت انعكاسات الأزمة تتسرب إلى المشهد العسكري، وسط انقسام متزايد داخل معسكر الجيش، وتلويح بعض الفصائل بالانضمام إلى تحالف “تأسيس” المساند لقوات الدعم السريع.
وبحسب مصادر في حركة العدل والمساواة، فإن البرهان حسم الجدل بعد عودته من مؤتمر تمويل التنمية في إسبانيا، وقرر إعادة وزارة المالية للحركة بقيادة جبريل إبراهيم، فيما احتفظت حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي بوزارة المعادن، في خطوة اعتُبرت انتصارًا للحركات المسلحة على حساب مشروع “حكومة الكفاءات” الذي طرحه إدريس.
صراع داخل البيت الواحد
ورغم الاتفاق الجديد، ظهرت خلافات علنية داخل تحالف اتفاق جوبا، إذ اعترضت فصائل من مسارات الشمال والوسط والشرق على ما وصفته بـ“احتكار الحركات الدارفورية” لنسبة الـ25% من السلطة، وطالبت بإعادة توزيع المناصب بين جميع الموقعين على الاتفاق.
ويستند هذا الخلاف إلى تباين تفسير بنود اتفاق جوبا للسلام، حيث تصر بعض الحركات على أن النسبة يجب أن تقتصر على القوى التي خاضت القتال قبل توقيع الاتفاق، بينما تدعو فصائل أخرى إلى شمول التمثيل لجميع الحركات الموقعة، بغض النظر عن مشاركتها العسكرية.
القوات المشتركة: تمثيل موحد ودعم للجيش
في بيان صحافي مشترك، أكدت القوات المشتركة تمسكها بمبدأ “التمثيل ككتلة موحدة” دون تجزئة، وجدّدت دعمها الكامل للقوات المسلحة في حربها ضد الدعم السريع، معتبرة أن التحالف السياسي والعسكري مع الجيش “خيار استراتيجي” في ظل استمرار النزاع.
وتضم القوات المشتركة خمس فصائل مسلحة من دارفور، بينما حصلت الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار على 4% من المقاعد التنفيذية، و3% تم تخصيصها لمسارات الشرق والوسط والشمال. وتشكل هذا التحالف بعد اندلاع الحرب، بدعوى حماية المدنيين، لكنه أصبح طرفًا رئيسيًا في معادلة السلطة ببورتسودان.
ضربة لحكومة إدريس؟
يرى محللون أن هذا الاتفاق يمثل تراجعًا واضحًا عن وعود كامل إدريس بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، ويؤكد أن القرارات السيادية لا تزال مرهونة بالبرهان وتحالفاته المسلحة، مما يقوض فرص قيام حكومة مدنية فعليًا.
ويُضيف المحلل نجم الدين دريسة أن هذه التطورات تؤكد أن “المصالح العسكرية والترضيات السياسية لا تزال تحكم تشكيل السلطة، لا الكفاءة ولا البرامج”.
ما التالي؟
مع حسم توزيع الوزارات الأساسية لصالح الحركات المسلحة، تُطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة القادمة على العمل بتناغم وسط توازنات هشة وصراعات كامنة، في وقتٍ لا تزال فيه البلاد تغرق في حرب طويلة ومؤسسات متآكلة، وسط انعدام الثقة السياسي والشعبي.

